صراع الأدمغة بين القسام وإسرائيل

منذ سنوات وتعمل كتائب القسام وفق استراتيجية (اشراك المجتمع بالفعل المقاوم)، وتمثل ذلك، بالاستفادة من الخبرات الفلسطينية والعربية، في مجال تقنيات صناعة الصواريخ، والطائرات المسيرة بدون طيار، إلى جانب زيادة التأهيل والتدريب لوحدة الكوماندوز البحرية التابعة لحماس.

وكان المهندس التونسي محمد الزواري، الذي اغتالته المخابرات الإسرائيلية في 15 من ديسمبر (كانون الثاني) 2015، واحدًا من الخبرات التي ساهمت في تطوير قدرات القسام القتالية، تلاه لاحقًا اغتيال المهندس في مجال الهندسة الكهربائية فادي البطش، في ماليزيا في 21 من أبريل (نيسان) 2018، وأشارت عائلته وحماس إلى مسؤولية جهاز المخابرات (الشاباك) عن عملية الاغتيال الذي لا يعلن عادة عن عملياته السرية.

ومع زيادة التحديات التي تقف أمام المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة؛ بدأت هذه الاستراتيجية بالتطور بشكل ملحوظ بعد عدوان 2014؛ إذ بدأ خطاب المقاومة يتسم بالدعوة لاستنهاض قدرات الأمة، وتوظيف إبداع عقولها في معركة الجهاد والمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

فمن جانب، تريد المقاومة إبقاء فلسطين القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية، في ظل الانشغال الداخلي على وقع مشاكلها التي تعصف بها بعد ثورات الربيع العربي، ومن جانب آخر، تسعى إلى تطوير مقدراتها من خلال استثمار وتعبئة وتوظيف خبرات الأمة بما يحقق للمقاومة توجه ضربات نوعية للمنظومة العسكرية الإسرائيلية؛ ما سيحقق لها توازنًا معقولًا ضمن نظرية الردع الذي حققته كتائب القسام خلال السنوات الأخيرة، رغم فارق القوة الكبير بين المقاومة والكيان.

وجاء إعلان كتائب القسام، خلال مؤتمرها الصحافي الذي عقدته في غزة في 12 يناير 2019، والمتعلق بكشف مزيد من خيوط تسلل الوحدة الإسرائيلية الخاصة شرقي خانيونس قبل شهرين، (عملية حد السيف)، عن مكافأة المليون دولار أمريكي لأي عميل يسهم في استدراج أي قوة إسرائيلية، تطبيقًا عمليًا لهذه الاستراتيجية.

وهذا الإعلان في الحقيقة له أربعة أهداف:

الأول: إشراك المجتمع الفلسطيني في الجهد الاستخباراتي الذي تبذله حركة حماس ما سيعطيها معلومات يمكن أن تنفعها في معركة صراع الأدمغة والعقول؛ وإن كانت الإمكانات التكنولوجية تشكل عوامل مساعدة لكشف خيوط الأحداث الأمنية في غزة، إلا أن المجتمع الفلسطيني يمثل مصدرًا أساسيًا للمقاومة الفلسطينية يتجاوز مرحلة التأييد والرفض للتخابر مع الاحتلال الإسرائيلي، من منطلق قيمي وأخلاقي، إلى مرحلة (المشاركة) عبر إعطاء المقاومة معلومات – وإن كانت بسيطة – قد تكون صالحة لها.

والثاني: الإسهام في تجفيف المزيد من منابع المعلومات عن غزة، ومقاومتها ضمن سياسة حماس الأمنية التي تزايدت بشكل ملحوظ سيما بعد العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014، إذ أعطت حماس الجهاز الاستخباراتي التابع لها أولوية كبيرة نظرًا لحاجتها الملحة لمعلومات استخباراتية دقيقة تسهم في إرباك المخططات العسكرية الإسرائيلية من ناحية، وإعطاء توصيفات وتقديرات موقف محددة ومنهجية من جانب آخر إزاء التعامل المطلوب مع كل مرحلة من مراحل الصراع.

الثالث: ضرب أسافين العلاقة وإيجاد أزمة بين ضباط المخابرات من جانب والعملاء في غزة من جانب آخر. وهو أسلوب نفسي ودعائي تهدف حركة حماس عبره، إلى توسيع دائرة الشك بين العميل وضابط المخابرات؛ ما سيشوش على طبيعة العلاقة بينهما.

الرابع: هو إجراء علاجي لضعفاء النفوس الذين يسقطون في وحل العمالة، ويتذرعون أنهم يقدمون معلومات لدولة الاحتلال لمبررات اقتصادية، رغم أن الاحتلال الإسرائيلي لا يعطي عملائه مبالغ مالية كبيرة، باستثناء الذين يشكلون له كنزًا معلوماتيًا مهمًا.

وبما أن المعركة لا تزال مستمرة، فإن حركة حماس ستحاول تعزيز استراتيجية (إشراك المجتمع بالفعل المقاوم)؛ ما سيضيف لقاعدة معلوماتها الاستخباراتية أسرارًا جديدة تشكل لها بنكًا من المعلومات، تمكنها من كشف خطط الاحتلال الأمنية تجاهها، كما سيعطيها هامشًا من المناورة والتحرك في أي معركة مستقبلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد