«حماس» المفترى عليها في حصار من العرب السنة، وعلى رأسها بلد الجوار مصر، تحاصرها وتهدم الأنفاق، وتخنق أهل غزة، وحولت حياة أهل غزة إلى جحيم. غزة محاصرة جوًا وبرًا وبحرًا حتى نكاد نتعجب من كيفية استمرار الحياة في ذلك القطاع بالرغم من الحصار المر.

كفار قريش حاصروا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثلاث سنوات، ثم رقت قلوبهم، وأدركوا جرمهم، ونقضوا وثيقة الحصار الظالمة، منذ نشأة حركة «حماس» في عام 1987, ولها إستراتيجية واضحة، أنها حركة مقاومة للمحتل الغاصب لها هدف وحيد ومحدد، وهو تحرير الأراضي الفلسطينية من أيدي اليهود، ولم تنحرف تلك الحركة عن هدفها يومًا ما.

كانت «حماس» هي حائط الصد المنيع الذي أوقف تمدد الكيان الصهيوني في المنطقة العربية، وكانت سببًا مباشرًا في إفشال صفقة القرن المزعومة، وغيرها من أطماع الاحتلال في المنطقة العربية، وأصبحت «حماس» تنوب عن الأمة الإسلامية والعربية في حربها ضد الاحتلال من أجل تحرير المسجد الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى.

وانطلاقًا من ذلك الهدف إنفتحت القيادة السياسية للحركة على العالم كله باعتبارها صاحبة حق مشروع في مقاومة الاحتلال الذي تقره جميع دساتير العالم والمنظمات الدولية، من أجل أن تلقى الدعم والمساندة من دون قيد أو شرط، ومن دون أن تكون مساعدات مشروطة بتقييد الحركة وانطلاقها نحو هدفها المشروع.

كانت لـ«حماس» علاقات كبرى مع كافة الدول العربية والإسلامية بكافة توجهاتها وأيدلوجياتها، تلقت «حماس» دعمًا كبيرًا من كثير من البلدان العربية بصورة علنية في بعض الأحيان وبصورة سرية في أحيان أخرى، ولم تتدخل «حماس» في علاقتها بالشئون الداخلية لأي دولة تتواصل معها أو تتلقى منها الدعم.

وبالرغم من الخلاف مع توجهات تلك الدول إلا أن علاقة «حماس» ظلت في تواصل مع تلك الدول مع الاحتفاظ بمسافة تسمح لهم عدم سيطرة أحد على القرار الداخلي للحركة أو توجيهها أو الحد من حركتها.

جاءت ثورات الربيع العربي لتحدث شروخا جوهرية في تلك العلاقة، فقد انسحبت الحركة من سوريا بعد اشتراط بشار الأسد أن تؤيد حركة «حماس» موقفه ضد الثورة السورية فرفضت «حماس» وانسحبت من دمشق.

كان لحركة «حماس» تنسيقات أمنية كبيرة مع القيادة السياسية المصرية أيضًا وتمت المصالحة الفلسطينية بين «فتح» و«حماس» برعاية مصرية، بالرغم من وجود الانقلاب.
انقلب الحال وتبدلت الأحوال، وتم حصار الحركة من كل العرب.

الإمارات، والسعودية، والسيسي، يحاصرون غزة لصالح إسرائيل من أجل إجبار «حماس» على تسليم سلاح المقاومة، في مقابل رفع الحصار، وإنشاء مطار، وميناء بحري، ووصول المساعدات، والاستثمارات، وكل الإغراءات، لكن مقتضيات السياسة ومخالبها تقتضي البحث عن بديل دون تقديم كل تلك التنازلات.

مهما قيل عن حجم معاناة الحصار على أهل غزة فلن يستوعبه أحد، في ظل الضغوط الدولية والإقليمية المتزايدة من أجل نزع سلاح المقاومة كان على «حماس» أن تسعى من أجل الوقوف على كيفية الخروج من المأزق وتفكيك ذلك الحصار دون التنازل عن سلاح المقاومة، فكانت إيران هي طوق النجاة الذي سمح بإمداد المقاومة ودعمها بلا قيد أو شرط، فكانت هناك علاقات كبيرة مع إيران، بالرغم من اختلاف التوجهات السياسية والأهداف الإستراتيجية، وكان قاسم سليماني هو كلمة السر في تلك العلاقات المفتوحة بين طهران وغزة حتى استطاعت المقاومة تطوير سلاح الردع لديها لتصبح قوة ضاربة في عمق الاحتلال المغتصب.

لم تطلق حركة «حماس» رصاصة واحدة في غير هدفها طوال تاريخها المشرق وكل توجهاتها نحو الاحتلال الإسرائيلي نيابة عن الجيوش العربية المزعومة التي تقتل شعوبها ولم تتجه قواتها يومًا ما نحو إسرائيل.

عندما تم اغتيال قاسم سليماني (الذي أجرم في حق العرب في سوريا والعراق)، وتقدم «حماس» عزاء بروتوكوليًا (وإن تجاوز في حدوده الأعراف البروتوكولية) لإيران، الدولة التي حمت ظهر المقاومة، ولم تتخل عنها، يصيح الجالسون مع أهلهم وذويهم دون معاناة، أو شعور بالألم، أو تحمل مسئولية، أو مشاركة في جهد بسيط، وينتقد «حماس» المقهورة من كل العرب، لمجرد رد الجميل في عزاء شخصية رحلت بكل جرائمها ضد العرب وأيضًا بكل أياديه الواضحة في تفوق سلاح المقاومة، حنانيكم فإن لـ«حماس» ثوابت لم تتنازل عنها، ولم تتخل عن مسئوليتها، ولم تشارك في دماء الأبرياء من العرب في سوريا، والعراق، واليمن، ومصر.

ابحثوا عن مجرمي العرب قبل مجرمي إيران، بشار خارب الديار، والسيسي خارب مصر، وابن زايد، وابن سلمان، هم أكثر خسة وأكثر جرمًا من إيران ومذابحها، وكلهم في العار سواء، لعل مساندة إيران نقطة مضيئة في تاريخها الأسود مع العرب، بينما الحكام العرب كل نقاطهم يكسوها السواد والعار.

من قدرنا أن نحيا في ذلك الزمان علينا أن نحسب للكلمة حسابها قبل أن ننطق بها، وعلينا يكون حسابها. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد