في الثالث من يوليو 2013 أحدث الانقلاب العسكري في مصر هزة على مستوى الإقليم كله والذي كان يتهيأ لمساندة الثورة السورية ويترقب نجاحها، وحدثت اصطفافات حادة في الإقليم تجاه الانقلاب حيث وقفت كل من تركيا وقطر وتونس في خندق معارضة الانقلاب، فيما قادت السعودية الدول الساعية لتثبيت أركانه وتحسين صورته.

حماس

في زاوية من هذا البحر المتلاطم من الأحداث كانت حركة المقاومة الاسلامية حماس المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين ترقب المشهد بحذر بالغ, حيث عاشت قبل الانقلاب حالة متقدمة من العلاقات الخارجية في ظل عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، وفيما عدا توتر علاقتها مع سوريا وبالتالي الاختلاف مع إيران بدت حماس سائرة نحو أفق أرحب  حيث العمق الاستراتيجي المتمثل في حكم الإخوان في مصر ، والعمق الإسلامي في علاقات قوية مع كل من تركيا وماليزيا، والدعم العربي الذي تكفلت به دولة قطر التي يقيم فيها رئيس المكتب السياسي لحماس والتي زار أميرها السابق والحالي غزة في خطوة لكسر الحصار السياسي عنها، إضافة لما شكله هذا الجو من ارتياح لحماس في موضوع المصالحة أيضا.

الداعمون ما بين الإشغال والإنشغال

جاء الانقلاب ليمثل صدمة لحماس التي كانت تصلها رسائل التطمين حول ولاء قيادة الجيش في مصر للزعيم الإخواني لكن حدث ما لم يكن في الحسبان وعادت حماس إلى وضع أصعب من حقبة مبارك الضعيف ، فالجيش المصري جدد إغلاق معبر رفح الوحيد بين غزة والعالم، ودمر أغلب الأنفاق المغذية لها بالبضائع  والوقود والأسلحة مما ضاعف من معاناة حصارها، ها هي الدول التي شكلت درعا سياسيا لغزة بعد العدوان الإسرائيلي على غزة 2012 مثل تركيا وتونس منشغلة بقضايا داخلية كالانتخابات والدستور ومشاكل دول الجوار مما يجعلها بالكاد تجد وقتا لمتابعة القضايا الخارجية، فيما في الوقت نفسه شنت السعودية والإمارات المؤازرتان لانقلاب مصر هجمة دبلوماسية على قطر بسحب سفرائها من الدوحة  في بداية مارس 2013 إضافة لدولة البحرين  لتعيش قطر هي الأخرى حالة المشكلة مع جوارها الخليجي ولو مؤقتا وبوضع أخف من تركيا وتونس .

لم يتوقف الأمر لدى مؤسسات النظام المصري عند كره حماس ذات الجذور الإخوانية فحسب بل شنت وسائل إعلامها حملة منظمة لشيطنة حماس وزادت فترة إغلاق المعبر عن 50 يوما بين كل عملية فتح له، واستمر تدمير الأنفاق التي كانت تمثل حلا جزئيا لمعضلة الحصار، وزادت حدة اتهام حماس بالتدخل في الشأن لداخلي المصري ، وضاعف خطورة الأمر إصدار القضاء المصري أحكاما بحظر أي أنشطة ومؤسسات تابعة لحماس في مصر الأمر الذي نفاه موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحماس. وهذا جعل رعاية مصر لمصالحة أحد أطرافها حركة حماس في هذا الوقت في مهب الريح.

حماس والعلاقة مع إيران

قبل حدوث الانقلاب في مصر كانت إيران تتهيأ لانتخابات رئاسية أدت لتغيير رأس النظام أحمدي نجاد وقدوم حسن روحاني الذي يوصف بالوسطية مقارنة بنجاد ، إيران  الداعم الأكبر للمقاومة العسكرية  الفلسطينية بعد هذا التغيير توصلت لاتفاق ابتدائي مع القوى الكبرى بقيادة الولايات المتحدة حول الملف النووي  مما يوحي بخطوة أخرى نحو الاعتدال الإيراني تجاه أمريكا  التي ما فتأت ترعى مصالح إسرائيل وتدافع عنها ، هذا التوجه يصعب الأمور على تحسين علاقة حماس بإيران والتي شهدت توترا كبيرا بخصوص موقف حماس من الثورة السورية ، بل وصفها متابعون بأنها انقطعت في المرحلة التي اتجهت فيها حماس للدول ” السنية” وبدت حماس التي ما كان لها أن تساند ثورة في مصر وتمتنع عن مساندتها لها في سوريا بالرغم من احتواء النظام السوري لها وتقديمه تسهيلات كبيرة لها، وعلى أي حال يدور في هذه الأيام حديث حول عودة العلاقة بين حماس وإيران لكن المرجح أن هذه العلاقة لن تكون كالسابق بأي حال وستكون محاطة بالشكوك من الطرفين.

التهديدات الإسرائيلية

إسرائيل كانت الخاسر الأكبر من الربيع العربي وستصبح الرابح الأكبر إذا ما لم تعد علاقة حماس مع إيران كالسابق وتم تثبيت أركان الانقلاب في مصر الذي  يشترك معها في عداء حماس، ويخفف عنها المسئولية عن حصار غزة، ويشارك في منع تهريب الأسلحة لغزة، ولولا تعثر عملية التسوية مع السلطة الفلسطينية  واستياء الإدارة الأمريكية من ذلك  لغدت فرحة اسرائيل صافية ، لكن اسرائيل تدرك عدم استباب الأوضاع لذا فهي في حالة حذر دائم ومحاولات حثيثة لدفع الأمور بالاتجاه الذي تريده، يزيد حدة هذا الوضع على حماس  التهديدات الاسرائيلية بعمل عسكري تجاه غزة في ظل حالة من الاستفراد بالقطاع المحاصر وبغض النظر عن جدية هذه التهديدات فإن التوقيت الحالي يفرض مزيدا من الحكمة على صانعي القرار في حماس بتجنب أي مواجهة مع إسرائيل في هذا الوقت.

قوة حماس على الأرض

تمتلك حماس على الأرض قوة شعبية وعسكرية  وجاهزية لا يستهان بها ، وقد مرت حماس بظروف ربما أكثر صعوبة، إذ تعرضت منذ نشأتها لمحاولات الاستئصال وتلقت عددا كبيرا من الضربات ، هذا هو الشيء الذي يعزز موقفها  وقد واجهت في العداونين الأخيرين على غزة ظروفا صعبة خرجت منها بدروس وتجارب كثيرة، بل ساهم هذا في تعزيز شعبيتها حتى لدى الشعوب العربية ، ولدى الجماهير في غزة غير أن هذه الشعبية مرت بمستويات متفاوتة بسبب الظروف التي تعرضت لها حكومة حماس في غزة وسلوكها الحكومي الذي يجمع بين الحكم والمقاومة ، مما حدا زعيمها في غزة ورئيس حكومتها اسماعيل هنية  في الاحتفال الذي نظم قبل أيام في ذكرى استشهاد قادة حماس الياسين والرنتيسي بالتلويح في عبارة رأى كثير من المحللين أنها محصلة اجتماعات لدراسة موقف حماس الحالي وجمعها بين الحكم والمقاومة في هذه الأوقات بالتحديد حيث قال الرجل: ” خذوا الكراسي والمناصب وأبقوا لنا الوطن” وقد صدق هذه العبارة بنود اتفاق المصالحة بين حماس وفتح في غزة في أبريل 2014 والترتيبات الجارية حاليا لتشكيل حكومة توافق وطني.

الدروس المستفادة

أثبتت المواقف المتكررة لحركة حماس في المرحلة السابقة ارتفاع قرار الحركة عن التبعية لأي من الأنظمة التي كانت لها معها علاقات جيدة من جهة، فيما ظهر العجز النسبي للحركة في إيجاد وفتح قنوات جديدة لعلاقاتها، ينبغي لحماس أن تستفيد من الموقف الراهن بإيجاد صيغة مريحة للتعامل مع مواجهتها العداء من الانقلاب في مصر والتوترمع الدول الداعمة له فيما تخشى هذه الدول وعلى رأسها السعودية والإمارات من الدور الإيراني الذي أيضا توترت علاقته مع حماس أيضا .

حاولت حماس قدر الاستطاعة إثبات عدم تدخلها في الشئون الداخلية لأي دولة عربية فعليها مواصلة تفنيد كل الاتهامات بالتدخل والتحلي بمزيد من الصبر على كل محاولات استدراجها.

رسمت حماس مع باقي فصائل المقاومة صورة ناصعة للمقاومة الفلسطينية من خلال توجيه البوصلة دائما نحو العدو الإسرائيلي وقامت بتنفيس  الأزمات كأزمة الحصار من خلال تصديرها إلى الاحتلال الاسرائيلي الذي يغذيها ويسعى لاستمرارها، فعليها المضي قدما بهذه الألية في حال خرجت الأمور عن نصابها.

شكلت إيران داعما قويا لحماس في المراحل السابقة فعلى حماس أن تسعى لإدارة العلاقات مع إيران من أجل توفير الدعم الإيراني بكافة أشكاله  للمقاومة الفلسطينية.

تمتلك حماس جبهة داخلية داعمة فعليها أن تركز على هذه الجبهة بكل ما من شأنه تمتينها وتقويتها ويندرج في هذا الإطار توحيد الصف الفلسطيني ،خاصة في الوقت الذي تتعثر فيه عملية التسوية، وينبغي الاشارة هنا إلى سياسة السلطة التي حافظت على علاقات شبه جيدة حتى مع الدول المعارضة للانقلاب مثل تركيا وقطر.

 

تزايدت في الأونة الأخيرة التهديدات الاسرائيلية القولية والعملية  للمقاومة في غزة  فعلي المقاومة بقيادة حماس أن تستعد لأسوأ السيناريوهات المتوقعة ، وأن لا تغفل الأوضاع في جبهة الضفة الغربية  التي لها أثر أكثر إيلاما بحكم موقعها وقربها من العمق الإسرائيلي.

 

أفادت المرحلة السابقة لطبيعة حماس منذ نشأتها قدرتها على مواجهة التحديات فعليها أن تتوصل لمقاربة سياسية تسعى من خلالها للمحافظة على الشعب الفلسطيني وحالته المقاومة للاحتلال وألا تتجه لأي قرارات غير متوافقة مع التقدير الواقعي لموازين القوى (والحديث  عن ايجاد استراتيجية فلسطينية للتحرير يحتاج لتفصيل أكثر  في مقال أخر لكن دور حماس والجهاد سويا في منظمة التحرير ينبغي أن يحتل أولوية بلاشك)، على أرض الميدان تبدو الساحة الغزية خصوصا مكشوفة ولكن على أي حال إذا استغل الاحتلال الفراغ الحالي بسبب تراجع الغطاء العربي والإسلامي لغزة وأقدم على أي عدوان، فإنه من المرجح أن تستميت المقاومة الفلسطينية في الدفاع عن نفسها وأرضها وهذا هو من وجهة نظري أحد الأسباب التي تجعل الاحتلال يعاود التفكير ألف مرة لتقدير الامور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد