في عام 2005 بدأت إسرائيل إخلاء قطاع غزة ضمن خطة فك الارتباط من جانب واحد بعد احتلال دام 38 عامًا، معلنة بذلك فشلها في تحمل كلفة الاحتلال المباشرللقطاع خصوصًا مع تزايد العمليات الاستشهادية داخل الخط الأخضر وخارجه (238 عملية استشهادية في عام 2003 وحده) ومع صعود حماس وانفرادها بحكم القطاع في 2007 طورت إسرائيل استراتيجية جديدة للتعامل مع القطاع عمومًا ومع المقاومة خصوصًا وهي استراتيجية Mowing the grass والترجمة الحرفية لها “استراتيجية جز العشب”.

 

 

فكما العشب في الحدائق يحتاج إلى تشذيب لإبقائه عند طول معين فكذلك الخطر القادم من القطاع يحتاج إلى إبقائه عند حد معين لا يتجاوزه، فإسرائيل تدرك تجذر المقاومة الإسلامية في القطاع حيث يقدر عدد المؤيدين لحماس بـ 35% من سكان القطاع إضافة إلى تجذر فكر المقاومة عمومًا في قطاع غزة، ونظرًا لأن إسرائيل لا تتحمل تكلفة الاحتلال المباشر أو ظهور جماعات أكثر راديكالية من حماس أو فكرة الفوضى (بمعنى تكون خلايا مقاومة أصغر لا يمكن السيطرة عليها ولا التفاوض معها.

 

لذلك فإن إسرائيل تقوم بتوجيه ضربات عسكرية محدودة من حين لآخر بهدف تدمير البنية التحتية للقطاع واستنزاف الموارد العسكرية والبشرية لحركات المقاومة مما يجعل المقاومة حريصة على فترات تهدئة طويلة لإعادة بناء ما دمرته الحرب دون أن تتطلع إلى مبادرة إسرائيل بالهجوم الأمر الذي يكفل للمستوطن الإسرائيلي فترات أطول من الهدوء والأمن.

 

بالتوازي مع ذلك تقوم إسرائيل بتطوير منظومة الدفاع الصاروخي لتقليل الخطر الناجم عن صواريخ المقاومة (على الرغم من فشل منظومة القبة الحديدية في إيقاف الصواريخ المحلية إلا أنها حدت بشكل كبير من خطر الصواريخ عالية التدمير) هذه الاستراتيجية لا تعني القضاء على المقاومة ولكنها تبقي خطرها “تحت السيطرة” في ضوء هذه الاستراتيجية يمكن فهم الضربات العسكرية في 2008-2009، 2012، 2014 ويمكننا القول أن هذه الاستراتيجية هي الفلك الذي ندور فيه منذ عشر سنوات تقريبًا.

 

إذا نظرنا إلى بنود التهدئة الأخيرة (والتي لم تختلف في مجملها باستثناء – مطلب الميناء – عن مطالب 2008،2012) فيمكن ملاحظة أنها لم تختلف عن البنود التي طرحتها مصر في البداية ورفضتها فصائل المقاومة والتي لا تتناسب مع الأداء الميداني الراقي للمقاومة، فلا يوجد بها بند واحد يمكن اعتباره نصرًا استراتيجيًا، ففتح المعابر ومد المدى البحري للصيد مرتبط دائمًا بالرضا الإسرائيلي، أيضًا لم تنجح المقاومة في تجاوز الوسيط المصري إلى وسيط أكثر حيادية “أو ربما أكثر إنسانية”.

 

يضاف إلى ذلك أن إسرائيل أجبرت المقاومة “خصوصًا حماس” على القبول بعودة قوات عباس للقطاع (2) وهو أمر مؤلم للغاية خصوصًا أن إسرائيل قررت الاعتماد على عباس في إعادة إعمار القطاع من أجل تقويته سياسيًا في مواجهة حماس.

 

بالنظر إلى هذه النقاط كلها فأعتقد أن توصيف ما حدث بالنصر غير دقيق على الإطلاق.

 

على الرغم من تراجع الانشغال بالقضية الفلسطينية في السنوات الأربع الماضية لصالح قضايا الربيع العربي المشتعل في عدد من الدول إلا أن القضية الفلسطينية تظل هي القضية المحورية لكل الاتجاهات الفكرية والحركات السياسية في عالمنا العربي ولكن أحدًا – للأسف – لم ينجح في بلورة استراتيجية للتحرير.

 

بل على مدار ما يقرب من عشر سنوات نجحت إسرائيل في إدارة المعركة عسكريًا ودبلوماسيًا لصالحها فمن الحصار الرهيب لقطاع غزة إلى التمدد الاستيطاني البطيء والمستمر في الضفة، بين مقاومة مشغولة دائمًا بترميم ما دمرته الحرب ومفاوضات هزلية لا معنى لها فرضت إسرائيل هيمنتها على المعركة وللأسف في وسط هذا كله نجد أن الخطاب الإعلامي للمقاومة وأذرعها السياسية يتركز على أننا “نخوض المعركة الأخيرة قبل معركة النصر”، متناسية أن سياسة التغييب هذه أدت إلى نتائج كارثية في دول الجوار.

وعلى العكس من ذلك نجد أن الإعلام الصهيوني أكثر عقلانية في نقل الصراع فلا هو يتحدث عن “تدمير حماس” ولا عن “المعركة قبل الفاصلة”، فالعديد من وسائل الإعلام تحدثت عن الفشل العسكري لجيش الاحتلال في الاجتياح البري أو تدمير بطاريات الصواريخ بالإضافة للنقد الدائم لعدم قدرة حكومة الكيان على تأمين عودة المستوطنين إلى منازلهم.

 

هذا النقد لا يتم دائمًا بدوافع وطنية أو لاعتبارات أخلاقية ولكنه غالبًا ما يتم بدافع المصالح فمثلًا القناة العاشرة العبرية (3) والتي تعد أبرز منتقدي الحرب الأخيرة تقوم بذلك على خلفية خلاف مع نتنياهو، حيث نشرت تقريرًا عن واقعة فساد داخلية لنتنياهو مما دفع نتنياهو إلى رفض طلب تقدمت به القناة إلى الكنيست لتأجيل سداد مستحقات متأخرة عليها للدولة الأمر الذي دفع القناة إلى استنزاف شعبية نتنياهو خلال الحرب.

 

ولكن في النهاية النقد الدائم غالبًا ما يصب في الصالح العام للكيان، هذا الفارق في الطرح وفي التجاوب مع النقد يعكس فارقًا أساسيًا في ثقافة الوعي وفي إدراك أهمية النقد في تطوير الاستراتيجيات وهو أحد أهم الأسباب في التفوق الصهيوني فكيف نتطور إذا كنا لا ننهزم ولا نفشل ولا نسمح لأحد أن يخبرنا بأننا فشلنا أو هزمنا فقط نكتفي بالإشارة إلى كل منتقد على أنه من “الصهاينة العرب”.

 

يقول صنع الله إبراهيم “إن كثرة أحزاننا جعلتنا عطشى للفرحة” ولكن فرحتنا بتوقف العدوان يجب أن يعقبها وقفات مطولة لنسأل هل حقًا انتصرنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد