علاقة حركة حماس بجمهورية مصر العربية هي – بلا شك- أم العلاقات، ومصر هنا ليست واحدة! فمصر مبارك والحزب الوطني لم تكن بردًا ولا سلامًا على «حماس» رغم رعاية الأخيرة لكل جولات المصالحة بين حماس وحركة فتح، ويرى كثيرون أن تلك لم تكن رعاية، بل ضغطـًا على «حماس» لصالح «فتح» التي كانت وما زالت تستخدم تلك المصالحة ورقة مناورة لا أكثر، لم تشهد العلاقات بين حماس ومصر أية جدية منذ تأسيس الحركة إلى ما قبل 1994م، على الرغم من أن مصر حكمت قطاع غزة من الفترة 1948م إلى عام 1967م وحتى بعد ذلك؛ لم يكن لدى النظام المصري حافزًا بإنشاء علاقة مع حماس كونها امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين – الخصم التقليدي للنظام- وغياب تأثيرها المباشر على الساحة المصرية، وإن كان هناك بعض الاتصالات قبل قدوم السلطة إلا أنها ظلت محدودة جدًا.

بدايات وتجاوبات

بداية الانفتاح بين حماس ومصر كان بعد قدوم السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة وفتح سفارة لمصر في قطاع غزة؛ حيث جرت العديد من الاتصالات واللقاءات بين السفير المصري وقيادات حمساوية، مع اشتعال انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر 2000م وانغلاق الأفق السياسي الذي تديره السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح، وتميز حماس جماهيريًا وعسكريًا خلال الانتفاضة جعل الانفتاح المصري أوسع على الحركة، ولعل أبرز نتائج هذه الاتصالات استضافة القاهرة لحوار وطني عام 2002، ثم لعب المخابرات المصرية الدور الرئيس في التهدئة مع «إسرائيل» عام 2003 كما شهد عام 2005 ذروة الانفتاح ما بين حماس والجانب المصري، تتابعت الأحداث الكبيرة التي تلعب المخابرات المصرية دورًا محوريًا فيها كاتفاق التهدئة عام 2008 ومن ثم وقف إطلاق النار عام 2009، ودورها الواضح في مفاوضات الجندي جلعاد شاليط حتى إتمام صفقة تبادل الأسرى «وفاء الأحرار» عام 2011 بخروج 1027 أسير فلسطيني، فيما تمتلك حماس عناصر القوة والتأثير التي كان أساسها فوز الحركة في الانتخابات التشريعية في 25 يناير 2006، ومن ثم سيطرتها العسكرية على قطاع غزة منذ 14 يونيو 2007، وتلا ذلك إثبات حماس لقدرتها على الصمود كحركة مقاومة وحكم في مواجهة إسرائيل بشكل مستمر على مدى ثلاثة مواجهات حقيقية مع إسرائيل في2008-2009، و2012، و2014.

لكن التطور اللافت في العلاقة مع مصر حدث بعد ثورة 25 يناير ووصول الرئيس «محمد مرسي» إلى سدة الحكم، فبعد أن كانت العلاقة تمر فقط عبر المخابرات المصرية أصبحت تمر بشكل مواز – وإن كان بشكل غير علني- مع النظام الجديد في مصر، تغيرت العلاقة بشكل ملحوظ في مصر «مرسي» والإخوان، حيث الرعاية والتسهيلات التي أفضت إلى أن تعقد حماس مجلس شورى التنظيم في القاهرة، وتستضيف مصر قيادات حماس التي خرجت من دمشق على إثر تدهور العلاقة مع النظام.

ربيع يتلوه صيف ساخن

ربيع العلاقة المصرية الحمساوية لم يطل! حيث كان الانقلاب العسكري على حكم مرسي والإخوان في 3 يوليو 2013م وبالتالي تدهور العلاقة وانتكاسها نتيجة حملات التشوية التي مارستها الأجهزة الإعلامية والقضائية، تشويهًا لحركة حماس وجهادها، فوصفت بأنها مسؤولة عن التوتر الأمني في سيناء بل إن عناصرها العسكرية «أحياءً وأمواتًا، أحرارًا ومعتقلين» هم من أخرج مرسي وقيادة الإخوان من سجن النطرون خلال ثورة 25 يناير! وكان قرار محكمة القضايا المستعجلة بالقاهرة في مارس 2014 باعتبار حماس «حركة إرهابية» بمثابة رصاصة مباشرة على قلب العلاقة الرسمية المصرية الحمساوية، صحيح أن القرار لم ينفذ، بل إن محكمة الاستئناف قد ألغت الحكم باعتبار أن محكمة القضايا المستعجلة بالقاهرة «ليست جهة اختصاص»؛ لكن ذلك لم يمنع «المحكمة» من تكرار المحاولة واعتبار «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة حماس، منظمة إرهابية في 31 يناير 2015، وهو القرار الذي لم يتم إلغاؤه بعد.

قهر الجغرافيا السياسية

ورغم كل ذلك فإن مصر تبقى ممرًا إجباريًا لقطاع غزة الذي يشكل أمنًا لمصر، لذلك لم تنقطع العلاقة بين الجانبين حتى في أحلك ظروفها، وهذا ما ظهر خلال التوتر الأمني مع إسرائيل منتصف شهر مارس 2014 والوساطة المصرية لوقف الحرب، وبعد أيام فقط من اتهام وزير الداخلية المصري لعناصر من حماس باغتيال النائب المصري هشام بركات – الاتهام الذي نفته الحركة جملة وتفصيلًا- فإن وفدًا حمساويًّا قياديًّا من غزة برئاسة موسى أبو مرزوق، قد التقى مع المخابرات المصرية في القاهرة يوم 12 مارس 2016.

إن العلاقة مع مصر بحكم الجوار، والعمق الأمني المتبادل مع غزة، تفرض على حماس المحافظة على اتصالات مع النظام المصري، في ملفي التهدئة والمصالحة، فهو أمر لا مناص منه على الأقل في المدى المنظور. غير أن على مصر أن تتعامل مع حماس كملف سياسي إستراتيجي أكثر من كونه ملفًا أمنيًا لدى المخابرات، باعتبارها الحاكم الأقوى في غزة، واللاعب الأساسي في معادلة السلم والحرب مع إسرائيل على الحدود المصرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد