منذ نشأة حركة المقاومة الإسلامية حماس في ثمانينيات القرن العشرين، وهي محل جدل كبير بسبب علاقتها بجماعتها الأم، جماعة الإخوان المسلمين خاصة في السنوات الأخيرة. فهي لا ترى نفسها وليدة اللحظة، ولكنها امتداد لتاريخ طويل من النضال الإسلامي للإخوان المسلمين في فلسطين. فما طبيعة تلك العلاقة ؟

الإخوان المسلمون في فلسطين:

للإخوان في فلسطين تاريخ طويل منذ الأربعينيات من القرن الماضي، حيث بدأ وجودهم بشكل معلن ومنظم بين عامي 1945 حتى حرب 1948، وقد نشطت الدعوة في مجالات التربية والتوعية والتعريف بخطر الصهيونية وبحشد الشعب لمقاومتهم، وقد شاركت الجماعة في حرب 1948 رغم حداثة التنظيم وضعف الإمكانيات التي كانت تمتلكها، وكونت قوات غير نظامية تعمل تحت القيادات العربية المحلية في الضفة، وانضم الجزء الآخر في الجنوب بقوات الإخوان المسلمين المصريين بقيادة كامل الشريف، وفي القدس تشكلت اللجنة القومية في القدس في 26 يناير (كانون الثاني) 1948، التي تكونت من 14 عضوًا كان من بينهم خمسة أعضاء من الإخوان وهم (شريف صوح، وأسعد الإمام، وطاهر بركات، وجميل وهبة، وعيد عابدين) وهو مؤشر قوي على نفوذ الجماعة حينها.

وبعد هزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين عام 1948 زادت قوة الإخوان في فلسطين نظرًا إلى جهادهم في الحرب، وكانت من أكثر التيارات شعبية في فلسطين حتى عام 1954، وكانت الحركة متأثرة بالأوضاع في مصر والأردن بشكل كبير، خاصة مع سيطرة مصر على قطاع غزة، فتأثرت الجماعة بالحرية النسبية للإخوان في مصر حتى عام 1954، ومع أجواء مشابهة في الأردن، حتى ظهرت أزمة 1954 بين عبد الناصر والإخوان وزاد القمع الأمني والتشويه الإعلامي لهم، فكان التوجه العام للإخوان في فلسطين الانكفاء على الذات ومحاولة الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه.

في ظل هذه الحالة ظهر تيار شبابي يدعو للعمل على تحرير البلاد، بينما كان يوجد تيار عام آخر يدعو إلى التريث والتركيز على الجوانب التربوية والإيمانية، إلا أن تيارًا آخر أخذ يتجه إلى فكرة العمل المسلح المنظم تحت شعارات وطنية لجذب كل مكونات الشعب الفلسطيني، ولا تجعله عدوًّا للأنظمة العربية، وكانت هذه هي نواة بداية حركة تحرير فلسطين، وسُميت فيما بعد حركة التحرير الوطني الفلسطيني (حركة فتح) عام 1957 في الكويت برئاسة ياسر عرفات، والذي كان مقربًا من الجماعة حينها، واعتمدت الحركة على شباب الإخوان خاصة في قطاع غزة، وكان الرجل الثاني في الحركة هو خليل الوزير (أبو جهاد) والذي كان عضوًا في الجماعة، وهو من قدم هذا الاقتراح بإنشاء حركة جديدة لقيادات الإخوان في قطاع غزة ولكنهم رفضوا، واستمرت حركة فتح في تجنيد شباب الإخوان حتى عام 1962، فانفتحت الحركة أكثر على تيارات مختلفة، حتى أخذ قيادات الحركة بالقطاع قراراهم بتخيير الأفراد بين الحركة والجماعة، وأخذت فتح تُصبغ بصبغة وطنية علمانية شكلت هويتها حتى الآن.

بينما في الضفة الغربية وبعد ضم الأردن لها بعد حرب 1948، أصبح الإخوان في الضفة تابعين لإخوان الأردن، بينما في القطاع كان لهم مكتب إداري خاص برئاسة الشيخ عمر صوان حتى عام 1954، ومع قمع أجهزة عبد الناصر تابعوا عملهم سرًًا وأنشأوا «التنظيم الفلسطيني»، وتبع لهم أيضًا الإخوان الفلسطينيون في بلاد الخليج.

بعد نكسة عام1967م أخذ التيار الإسلامي في الصعود مجددًا خاصة بعد فشل الأيدلوجيات الأخرى مثل القومية العربية والعلمانية واليسارية في حل القضية الفلسطينية، وبدأت مشاركة الإخوان في العمل الفدائي في الفترة بين عامي 1968 إلى 1970 عبر ما عُرف بـ«معسكرات الشيوخ» في الأردن بالتنسيق مع حركة فتح، وعلى الرغم من تبني تنظيم الإخوان في الأردن والبلدان العربية لفكرة «معسكرات الشيوخ» رفضت قيادة التنظيم في فلسطين المشاركة، بحجة أن العمل العسكري سابق لأوانه، غير أنها دعمته ماديًّا ولم تمنع أفرادها من المشاركة فيه.

نشأة حماس:

في عام 1978 اندمج العمل الإخواني الفلسطيني مع إخوان الأردن في تنظيم واحد، أطلق عليه اسم تنظيم «بلاد الشام»، ثم تشكل «قسم فلسطين». وفي عام 1983 عُقد مؤتمر داخلي أكد أن العمل لقضية فلسطين ومشروع التحرير لا يتعارض مع مشروع إقامة الدولة الإسلامية، وبذلك حُسمت جدلية «الدولة والمقاومة»؛ أي هل ينتظر الإخوان إقامة الدولة الإسلامية حتى يبدأ مشروع التحرير أم لا؟ وكان الحسم باتجاه أن مشروعي الدولة الإسلامية ومقاومة العدو الصهيوني خطان متوازيان، وهي كانت بمثابة الأساس والتمهيد لظهور حماس بعد ذلك.

ظهرت بوادر تأسيس الجهاز العسكري بإرسال بعض الكوادر للتدريب العسكري في الخارج عام 1980، وكان مؤسس الجهاز العسكري في قطاع غزة الشيخ أحمد ياسين، وكُشف أمر التنظيم عام 1984، وحيث اعتقل الشيخ أحمد ياسين وأُفرج عنه لاحقًا في عملية تبادل الأسرى في 20 مايو (أيار) 1985، أُعيد بعدها بناء الجهاز من جديد عام 1986 تحت اسم «المجاهدون الفلسطينيون».

مع اندلاع الانتفاضة الأولى أو ما عرفت بانتفاضة أطفال الحجارة، اتخذ المكتب الإداري للإخوان المسلمين بالضفة والقطاع قرارًا بمواجهة الاحتلال، ترافق معه إطلاق حركة المقاومة الإسلامية حماس، في اجتماع في بيت الأستاذ حسن القيق في الخليل في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1987 بحضور سبعة أعضاء هم (حسن القيق، وعبد الفتاح دخان، وحماد الحسنات، وإبراهيم اليازوري، وعدنان مسوري وغيرهم)، تبعها إعلان الحركة بيانها الأول في 14 ديسمبر (كانون الأول) 1987.

كيف استطاعت الحركة الناشئة (حماس) احتواء الجماعة الأم؟

1- رؤية واضحة: حماس منذ اليوم الأول وضعت رؤية واضحة بتحرير فلسطين، ومقاومة الاحتلال، حيث اختلفت عن الحالة السابقة للإخوان بالتقطع بين الدعوة والجهاد، ورؤية عدد من قيادات الجماعة في أكثر من مرحلة بالتريث والانشغال بالدعوة والتربية قبل التحول لمرحلة الجهاد.

2- انطلاقة جديدة: دائمًا الأشياء الجديدة ما تكون براقة إن أحسنت تسويق نفسها، والحركة استطاعت تسويق نفسها بشكل جيد للشباب الإسلامي وخاصة الإخوان؛ ما أكسبها شعبية وقوة.

3- الإرث الإخواني: استفادت حماس في صعودها السريع من عراقة وقدم تنظيم الإخوان، فاستفادوا من تراث الإخوان الفكري والأدبي والدعوي والتربوي وحتى التنظيمي، فلم تبدأ الحركة من الصفر، كما أن احتواء قيادات الإخوان للحركة دون الدخول معها في سجال جعلها تتحرك بأريحية وقوة لنشر فكرها.

4- شرعية الإنجاز: عانت حماس في بدايتها في عدم تعامل الإعلام معها حيث إنها كانت فصيلًا غير معروف على الساحة الفلسطينية، كما لم يكن لها كوادر معروفة سياسيًّا أو إعلاميًّا للحديث باسمها، لكن قدرتها على تنفيذ عمليات واسعة على الأرض، وقيادة التظاهرات والإضرابات جعلها حديث الجميع لتصبح من أكبر الفصائل الفلسطينية.

5- المرونة: حماس تعاملت مع الميثاق الذي أصدرته في 17 أغسطس (آب) 1988 وثيقةً تاريخية، وليس بالضرورة مرجعية دستورية، وقد وجهت انتقادات للحركة بسبب بعض المصطلحات المتعلقة باليهود؛ مما أدى لاتهامها بمعاداة السامية وعدم المرونة وزيادة الضغوط عليها، كما اعتبروها امتدادًا لمشروع الإخوان المسلمين وارتباطها بالتنظيم الدولي، وأنها ليست جماعة وطنية، كما أدى إلى معاداة عدد كبير من الأنظمة العربية المعادية للإخوان معها، مما جعل الحركة تصدر وثيقة سياسية جديدة عام 2017، نصت في تعريفها للحركة: حركة المقاومة الإسلامية «حماس» هي حركة تحرر وطني ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيتها الإسلام في منطلقاتها أو أهدافها ووسائلها، كما قامت الحركة بفك ارتباطها بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، سعيًا منها لتحسين علاقتها بالدول العربية وتحويل بوصلتهم لدعم القضية الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد