يبدو أن حركة حماس التي انطلقت عام 1987، وانتهجت مسار الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، واعتبرته السبيل الأنجع والأجدى لطرد الاحتلال، قد أربكت أعداءها وأحرجت خصومها في تعاطيها مع وسيلة جديدة قديمة من وسائل مواجهة الاحتلال، وهي الفعاليات الشعبية والسلمية.

فقد شكلت فعاليات مسيرة العودة الكبرى التي انطلقت في ذكرى يوم الأرض 30 مارس (آذار) للعام الحالي 2018، نهجًا جديدًا وأسلوبًا تكتيكيًّا تم إغفاله مدة زمنية ليست بالقصيرة، ألا وهو المقاومة الشعبية والسلمية، ولا يعني هذا أن هذه الوسيلة هي المُثلى، وأن الوسائل الأخرى وعلى رأسها النهج العسكرى ليست فعالة؛ بل السر في نجاح الفعاليات السلمية والشعبية هي أنها مدعومة بغطاء وبسند عسكري، وبمعادلات وتوازن رعب تم صياغتها عبر سنوات طويلة، وخلال حروب ثلاث فرضت واقعًا ميدانيًّا من خلاله لا يستطيع جيش الاحتلال الإسرائيلي الاقتراب من حدود قطاع غزة، أو حتى التوغل فيها لأمتار قليلة، وكذلك لم يعد الاحتلال يهاجم النشطاء والمقاومين الفلسطينيين بواسطة الطيران في داخل المدن والمخيمات كما كان يحصل في العقد الأول من القرن الحالي، إذ استشهد العشرات من نشطاء المقاومة بالقصف وهم يسيرون آمنين بين الناس في الشوارع والطرقات.

وإن كان الاحتلال لجم عسكريًّا في قطاع غزة، وحُيدت ترسانته نوعًا ما، وفرضت معادلات صيغت بالنيران بينه وبين المقاومة المسلحة، إلا أن الاحتلال أحكم خنق قطاع غزة وغلق عليه المنافذ وساعد بذلك الإغلاق المستمر والدائم للمعبر الوحيد الذي يطل على دولة عربية شقيقة -مصر- وهو معبر رفح البري، أضف لذلك تخلي حكومة الوفاق التي أقر وجودها بناء على تفاهمات ما بين حركة حماس وفتح وبرعاية مصرية، إذ إن هذه الحكومة لم تكن طوق نجاة للمواطنين المحاصرين في قطاع غزة، بل أمعنت في إهمال احتياجاته الضرورية، وانتهجت سياسة إقصائية، ووضعت الحجج اللامتناهية للاضطلاع بمهامها وواجباتها في قطاع غزة، كالتمكين وغير ذلك من المصطلحات التي تتغير شكلًا ومعنىً في كل يوم، وما زالت تخرج عن السلطة الفلسطينية الموجودة في رام الله وعن حكومتها قرارات عقوبية جديدة، ومن أبرزها قطع الرواتب، الأمر الذي تسبب في نزيف حاد في السيولة النقدية في قطاع غزة، وانعكس ذلك على كافة مناحي الحياة، وسبب المعاناة للأهالي والسكان، أضف لذلك أزمة الكهرباء المستمرة والمتواصلة منذ عام 2006 إلى اليوم، والنقص الحاد في الأدوية داخل المستشفيات؛ فقد ساهم ذلك وغيره كثيرًا في أن تكون غزة قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت، وهذا ما أراده المتآمرون على غزة، فقد كانت ملامح الخطة التي يريدون جر القطاع لها غير خافية على أحد، وهي التسبب بالانفجار الداخلي والاقتتال، وتمرد الناس على الحكومة العاملة بغزة، والتي تمارس عملها بحكم الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006، وفازت بها إحدى أكبر حركات المقاومة في فلسطين، وهي حركة حماس، الأمر الذي تسبب من يومها في أزمة وانقسام فلسطيني؛ لعدم تقبل البعض نتائج الصندوق الانتخابي، ولعدم وجود رغبة دولية بأن يمارس فصيل إسلامي مُقاوم الحكم؛ حتى لا تسرى هذه العدوى لباقي الدول العربية والإسلامية، وما زالت الأزمة قائمة إلى هذه اللحظة.

ولكن انفجار الشعب الفلسطيني في غزة كان بوجه الاحتلال؛ لأن أبناء المجتمع يرون أن الاحتلال هو المُسبب الأول للمعاناة، وزواله هو الحل الأمثل والوحيد لكل مشكلات الشعب الفلسطيني، والعودة حق مشروع لا تنازل عنه مهما طالت السنين، وكانت حركة حماس هي الداعم الأبرز لهذه المسيرات، وقد تكون العوامل التي جعلت الشعب لا ينتفض على حكم حماس للقطاع، برغم عجزها عن توفير حياة مناسبة هي التالي:

– تمثل حماس في وعي الشعب الفلسطيني أنها الحركة الإسلامية المقاومة التي اختارت نهج الكفاح المسلح ضد الاحتلال الصهيوني ومارسته منذ انطلاقتها وما زالت، وقدمت البطولات النوعية منذ عهد الحجر والسكين، إلى أن تمكنت من صناعة الصاروخ والطائرة وهي خط دفاع أول في وجه الترسانة العسكرية الصهيونية.

1. حماس ليست ميليشا مسلحة ومُقاتلين، وإنما هي حركة شعبية جماهيرية عرضية مختلطة بكافة مكونات الشعب، وتمارس كافة الأنشطة الدعوية والخيرية والرياضية والنقابية والتعليمية، ومرتبطة بعلاقة وطيدة مع المجتمع الفلسطيني.

2. حماس جاءت للحكم ومارسته من خلال نتائج انتخابات نزيهة شهد لها العالم، فلم تفرض نفسها على الشعب، ولم يفرضها جهات خارجية عليه.

3. حماس لم تأخذ فرصة لتمارس حكمها بحرية، فمع بداية حكمها نُفذت عليها العقوبات المختلفة، وحوصرت وشنت عليها الحروب المتتالية.

4. نجحت حكومة حماس في المزاوجة بين الحكم والمقاومة، وكان شعارها البارز يد تبني ويد تقاوم، وبرغم الصعوبات والحصار، فإنها نجحت في بعض الملفات، وأبرزها الملف الأمني؛ ففرضت حالة من الأمن والأمان شهد لها الجميع، ولم تكن فعالية المقاومة وسلاحها يومًا ما أداة للعبث والخراب.

5. فرضت مع الاحتلال قواعد اشتباك وتوازن رُعب نسبي، وجنبت أهل القطاع الاستنزاف المتواصل كالتوغلات والاجتياحات والاغتيالات.

6. المواطن الغزي لديه وعي كبير ويفهم جيدًا الواقع، ويعرف حجم المؤامرات، ويرى أحوال الدول العربية المحيطة به وما أصبح بها من دمار وخراب بسبب الحروب والاقتتال الداخلي، وتجرأ الأعداء عليها، ويعرف جيدًا أن سقوط حماس ونزع سلاحها هي أفضل هدية لإسرائيل.

لذلك كان الانفجار في وجه الأعداء، والذي لم يكن عنوانه الجوع أو الاستجداء، برغم الفقر والفاقة الناتج عن الحصار المفروض منذ سنوات؛ بل المطالبة بحق العودة لفلسطين المحتلة عام 1948، وبالاستناد للقرارات الدولية وأبرزها قرار 194، ومن خلال الوسائل الشعبية والسلمية وبتوحد كافة أبناء الوطن تحت مطالب مشروعة وموحدة وعادلة؛ فمثل ذلك إرباك للعدو الصهيوني الذي واجه الحدث بالعنف، وتسبب بسقوط العديد من الشهداء وآلاف الجرحى، وتزداد حالة الإرباك والتخبط يومًا بعد يوم من خلال التصعيد بالفعاليات السلمية والاقتراب من الحدود بالتدريج والإبداع بالوسائل السلمية، وكل ذلك يجري في بث حي ومباشر وأمام بصر وسمع العالم أجمع، وقد كانت حماس من أبرز المشاركين والداعمين لهذه المسيرة، ووجود قادتها وعناصرها باستمرار قرب الحدود، مندمجين مع كافة أبناء الشعب الفلسطيني المشارك في فعاليات مسيرة العودة الكبرى، تحت الراية والعلم الفلسطيني ليوصلوا رسالة أن وسائل مقاومتنا للاحتلال كثيرة ومختلفة، وأننا وإن كنا نصنع المدفع والصاروخ، فإننا نجيد جيدًا رفع العلم وهُتاف الحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك