كانت تحالفات حركة المقاومة الإسلامية حماس محسوبة بشكل كبير على ما كان يُسمى محور المقاومة والممانعة في المنطقة ممثلًا في إيران وسوريا وحزب الله اللبناني، واستفادت حماس من دعم كبير جدًا تمثل في إقامة قياداتها السياسية في دمشق واستخدامها كمقر رئيسي لإدارة الكثير من أعمالها المختلفة في الخارج في الجوانب السياسية والإعلامية والأمنية والعسكرية والمالية.

منح النظام السوري حماس إمكانيات وقدرات كبيرة لا ينكرها إلا جاحد، ورغم التباين الشاسع إلا أن مصلحة الممانعة شكلت أرضية تعاون صلبة للجميع، وفي ذات الوقت كانت الأنظمة العربية الأخرى منشغلة بكيفية ترويض حركة حماس خاصة بعد سيطرتها على قطاع غزة إلى حد الصمت المريب تجاه الحروب الإسرائيلية على القطاع.

جاء الربيع العربي وخلط أوراق الجميع في المنطقة ووضع حماس أمام خيارات صعبة جدًا رغم مرونة أدائها السياسي المتميزة، فقد أصاب زلزال الربيع أنظمة تحاصر المقاومة كنظام مبارك، وأنظمة أخرى تحتضن المقاومة كنظام بشار، ودولًا ترتبط المقاومة بعلاقات جيدة مع النظام أو المعارضة فيها على حد سواء مثل اليمن.

حرصت حماس على التزام الحياد جراء تلك التقلبات السياسية وهو ما يُحسب لها، فلم تُعلن عن الحياد بعد أن غلبت فئة أو رجحت كفة لصالح قوة معينة، وإنما كان هذا هو قرارها الوحيد والمبكر تجاه الاضطرابات الداخلية التي يعتبرها البعض ثورة ويعتبرها البعض الآخر نزاعًا سياسيًا أو مؤامرة خارجية.

بدت حماس بموقفها وكأنها تُـذكر الجميع أنها تثق أن من سيحسم النزاعات القائمة لن يختلف معها على ضرورة إنهاء الاحتلال الصهيوني وهو الحد الأدنى من الدعم المطلوب عربيًا.

كان آخر ما تريده حماس هو أن تشوه تاريخ نضالها الناصع بالانحياز لجهة دون أخرى أو أن تصير طرفًا في معركة لن تفيد حتمًا مشروعها الموجه ضد الاحتلال أساسًا، ولو أعلنت وقوفها مع ثورة أو ثورة مضادة في بلد ما كمصر مثلًا، لصار لزامًا عليها أن تضع خارطة ولاءات لبقية الدول وهو أمر يفوق طاقتها، ويُربك مشروعها.

لم يراع حلفاء حماس في سوريا حساسية موقفها وخصوصيته وطلبوا منها موقفًا واضحا بالانحياز لصالح النظام ضد الثورة السورية باعتبار أن هذا واجب الحلفاء، بالرغم أن دعم الحلفاء لحماس لم يتطور بتطور الحصار عليها لمحاولات كسر الحصار على سبيل المثال، فالتحالف لا يعني دائمًا أن كافة الخيارات متاحة لجميع الأطراف.
حاولت حماس أن تراوغ وتبتعد عن أي قرار يفرض عليها الصدام مع الشعب السوري المعارض للنظام من جهة أو مع حليفها القوي والمخلص من جهة أخرى وهي تدرك بألم حجم الخسارة الضخمة التي لن تعوض إذا فقدت حاضنها الشعبي والرسمي في سوريا وقدمت النصائح للنظام بتفادي الانزلاق لمربع العنف والحل الأمني كي لا تصل الأمور لنقطة اللاعودة وهو ما حصل في وقت مبكر للأسف.

كان نجاح الربيع وبالذات في مصر سيشكل رافعة قوية لحماس، ويسند ظهرها المكشوف من ناحية مصر ويعوض خسارة محور الممانعة، إلا أن هذه الآمال لم تدم طويلًا وانهارت الرافعة بشكل سريع لتعود الأوضاع لأسوء مما كانت عليه من قبل.

جرَّ الربيع بتقلباته لحماس عشرات الأضرار أهمها:

أولًا: باضطرار حماس لمغادرة دمشق فقدت مقر عملها وقدرتها على العمل المركزي في دولة لا تبتزها سياسيًا أو اعلاميًا، وتشتت طواقم عملها في دول المنطقة وصارت ملزمة بضوابط محددة للعمل في الدول التي توزعت فيها بالإضافة لكونها تحت الرقابة بشكل كامل.

ثانيًا: فقدت حماس الدعم العسكري والأمني والمالي الذي كانت تستفيد منه إما بالتنظيم أو التدريب أو التجارة لكوادرها ومؤسساتها أو الدعم المباشر المقدم من حلفائها وهي الخسارة الأكبر للحركة والتي لن تـُعوض أبدًا على المدى القريب على الأقل.

ثالثًا: أصاب الضرر بشكل مباشر المخيمات الفلسطينية في سوريا ودفعت ضريبة غالية تمثلت في استهداف المخيمات مباشرة وحصارها والتنكيل بها، كما حاولت بعض الفصائل الفلسطينية الأخرى أن تستثمر هذه الملفات ضد الحركة.

رابعًا: بالتزامن مع انشغال جناح الحركة في الخارج بتنظيم صفوفه ولملمة أوراقه كان النظام المترنح في مصر يقوم بالتنسيق والتعاون مع الجانب الصهيوني لتشديد الحصار على قطاع غزة بشكل لم يسبق له مثيل وهو ما تم بشكل كامل عقب الانقلاب في مصر مباشرة وحتى الآن.

خامسًا: استهدف النظام المصري الأنفاق ودمر المئات منها باعتبارها خطرًا قوميًا على أمن مصر وهو ما يعني أن الأمني القومي المصري بالنسبة للنظام الحالي هو بالضرورة مرتبط بشكل كامل بالأمن القومي الإسرائيلي.

سادسًا: تحول الجانب المصري من دور الوسيط العلني في النزاع الفلسطيني الفلسطيني إلى دور العدو العلني، واتضح ذلك بوضوح في مهزلة اتهام مرسي بالتخابر مع حماس واتهام المقاومة بتنفيذ عمليات خيالية داخل مصر.

سابعًا: تراجع الدعم المالي والإعلامي للحركة والمقاومة بشكل عام في كثير من الدول العربية مع انشغال كل المؤيدين للمقاومة بالملفات الداخلية المختلطة والساخنة، ففي اليمن على سبيل المثال يوجد مكاتب تمثيل سياسي لمعظم الحركات الفلسطينية منذ زمن الرئيس السابق علي عبدالله صالح وتُجمع الأموال للحركة بمباركة رسمية وشعبية حيث تتفق معظم الأطراف السياسية على شرعية دعم المقاومة، إلا أن التقلبات السريعة والعنيفة انعكست سلبًا عن الدعم المالي والإعلامي للمقاومة بشكل عام كنتاج طبيعي لعدم الاستقرار.

ثامنًا: الحركة الآن دون حاضن حقيقي لها بعد أن فقدت علاقتها بالنظام السوري وتضررت علاقاتها بدرجة كبيرة جدًا مع إيران وحزب الله، والقدرة على ترميم تلك العلاقات صعبة خاصة بعد عاصفة الحزم التي تديرها المملكة العربية السعودية، كما أن المؤشرات تؤكد سعي إيران لدعم حركات ناشئة في غزة تدين بالولاء الكامل لها وتتبع خياراتها السياسية دون نقاش (كحركة صابرين) وهو ما يضرب المشروع المقاوم في الظهر ويُضعف جبهته الداخلية ضد الاحتلال لحساب مشاريع إقليمية.

تاسعًا: الحراك العسكري الأخير لدول التحالف بقيادة السعودية في اليمن سيضع المزيد من الضغوط أمام الحركة التي ما زالت ترغب بالتزام الحياد رغم الضغوطات القوية ما جعلها تعلن موقفًا مبهمًا من أحداث اليمن بإعلان دعمها للشرعية الدستورية وهو ما يمكن أن يفسر سياسيًا بعدة طرق تحفظ للحركة ماء وجهها أمام جميع الأطراف.

عاشرًا: المتعاطفون في المنطقة مع الحركة كقطر أو تركيا ليس لديهم سقف لدعم المقاومة بشكلها المسلح وهذا هو الخطر الكبير والمصيري على مستقبل المقاومة، فهذه الدول تنتهج سياسة التصالح مع إسرائيل كأمر واقع، وقد تخدم مشروع إعادة الإعمار مع فرض هدنة طويلة الأمد، وتعمل على تفعيل ملف المصالحة الداخلية أو فتح باب المفاوضات من جديد.

لكن خيار المقاومة لن يكون مطروحًا أبدًا ولن يجد من يتبناه، لذلك لم يعد هناك داعم حقيقي لمشروع المقاومة بصورتها الحالية وعليها أن تجهز نفسها لعزلة عربية قاسية أو أن تقبل بالاندماج في محور جديد يروج لحل عادل على أرضية اتفاقية السلام العربية مع تحسين بعض بنودها في أحسن الأحوال لتحتفظ المقاومة بسلاحها بضمانات عربية.

وفي الختام قد تستفيد المقاومة من تأخير مشروع حرب قادمة حتمية ضدها لأن ذلك سيضع دول الخليج في حرج كبير وهي التي تقود عملًا عسكريًا كبيرًا في المنطقة، ولا يُـعقل أن تقبل بشن حرب ضد غزة، وستسعى في الغالب لاحتواء قيادات حماس بالأخص التي في الخارج لتخفيف الضغط الموجود في المنطقة ريثما تستقر الأوضاع السياسية والعسكرية فيها، وقد يأتي ذلك على شكل دعم صفقة تبادل أسرى أو انفراج في موضوع إعادة الإعمار ومعبر رفح أو حتى إجراء انتخابات فلسطينية لاحقًا.

طموحات حماس التي احتفظت بثباتها وحاضنتها الشعبية بعد الحروب التي خاضتها إسرائيل ضدها أمام منعطف مصيري وخطير الآن، خاصة بعد أن اتضح أن محور المقاومة كان يعتبر الحركة مجرد استثمار ضمن سياسته الدولية وورقة ترفع سقف طموحاته في المنطقة أكثر من كون ذلك خيارًا إستراتيجيًّا لا يرتبط بالتجاذبات السياسية خارج ساحة المعركة الحقيقية ضد الصهاينة.

فتفريط إيران الآن بعلاقتها مع حماس على حساب معركة أحرقت سوريا واتضح فيها نضوج رؤية حماس بالنأي بنفسها عن تلك المعركة بالتزامن مع محادثات الاتفاق النووي بين إيران وأمريكا يعني أن التباعد سيستمر، وقد تكون هذه إحدى نقاط الاتفاق مع أمريكا حتى لو لم تحصل الثورة السورية أصلًا، لذلك لن تندم حماس كثيرًا الآن على قرارها بالتزام الحياد بخصوص سوريا بالذات.

خسرت حماس كثيرًا وستدفع الثمن وحدها في الأيام القادمة ولكنها كسبت وسام الكرامة والشرف التاريخي بترفعها عن توجيه البندقية أو تأجيرها لطرف ما وبقيت بندقيتها موجهة فقط نحو صدر الاحتلال الصهيوني، ومن يعلن العداء ضد إسرائيل صادقًا لا بد أن يجد نفسه بجوارها في نفس الخندق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد