الاهتمام الحمساوي بالشأن المعلوماتي

هل لدى حماس هذه الرفاهية وهذا الفائض لتعلن عن جائزة (مليون دولار أمريكي) وهو ما يعادل (3.75 مليون ريال سعودي) أو (18 مليون جنيه مصري) أو (50 مليون جنيه سوداني) مقابل معلومات عن عملاء الكيان المغتصب في غزة.

أليست هي التي تدير قطاعًا محاصرًا (2 مليون نسمة) منذ 2006 أي أكثر من 12 عامًا من الحصار المتواصل ليس من الكيان الصهيوني فقط ولكن أيضًا تشارك فيه مصر والسلطة الفلسطينية وكل العرب تقريبا؟

أليس مواطنوا هذا القطاع المحاصر بحاجة الى كهرباء وماء نظيف ودواء ورواتب متأخرة و… و… و…؟

هل تكذب حماس أو تطلق تصريحات وعروض وهمية تعلم مسبقًا أنها لن تفي بها؟ -وهي التي لم يجرب عليها كذبا قط- وهي التي يشهد لها الجميع بتضحيات لا تخطئها العين.

لكنها حماس التي تعلمت من التاريخ عمومًا وتاريخ أمتنا الإسلامية خصوصًا أهمية المعلومة، وكيف أنك بالمعلومة تضيف إلى نفسك أضعاف أضعاف ما تمتلك فعلا من القوة، كما أنك بفقدها تفقد الكثير مما تملك من القوة وربما تفقد قوتك كلها.

وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يذهب إلى أي غزوة من غزواته متأخرًا -كان يصل قبل عدوه إلى أرض المعركة- (باستثناء غزوة حنين والتي بلغ جيش المسلمين بها 12 ألف فتباطأ الصحابة رضوان الله عليهم لأن العرب قديمًا قالوا لا يهزم اثني عشر من قلة ولذلك كانت هزيمة في البداية ليعلمهم الله عز وجل أن النصر منه وحده وليست بالأسباب التي يمتلكونها)  كما أنه كان يبعث العيون والجواسيس ليمدوه بالمعلومات دائما وأبدًا.

ولم يكن هذا دأبه في المدينة فقط بل كان صلى الله عليه وسلم في مكة حريصًا على جمع ما يستطيع من معلومات حتى أنه لما أرسل أصحابه رضوان الله عليهم إلى الحبشة كان يعلم أن بها حاكمًا عادلًا.

وهنا نقطة غاية في الأهمية وهي لماذا كل هذا الجهد الجهيد الذي بذله صلى الله عليه وسلم في هذا المجال.. ألم يكن يوحى إليه؟ لماذا لم يخبره الله عز وجل بما يحتاجه من معلومات، ولكنها حكمة الله عزوجل لأنه يريد أن يعلم الصحابة وكل من يتبعهم إلى قيام الساعة الأهمية القصوى للمعلومة ولأنه ليس هناك وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى كل المسلمين أن يجتهدوا ما استطاعوا في جمع المعلومات.

من يأتيني بخبر القوم وله الجنة

حتى في أحلك الظروف التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حيث اجتمع عليهم الخوف والجوع والبرد الشديد وخيانة الحلفاء، إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا(10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) (سورة الأحزاب).. وكان يستطيع أن يطلب من ربه عزوجل وهو القادر لكنه لم يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم بل حث الصحابة ثلاث مرات ولما لم يجبه أحدهم سمى بنفسه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.

ومنه صلى الله عليه وسلم تعلم أصحابه الكرام -أهمية المعلومة وقيمتها والسعي الحثيث لجمعها- فها هم في مؤتة يختارون مكانًا بين جبلين وهو ما يعظم من عددهم الصغير (3 آلاف) ويهدر العدد الكبير لعدوهم (200 ألف)، وكيف لهم أن يفكروا هكذا بدون معلومات حقيقية.

بل إن حماس تعلمت من عدوها الواضح (إسرائيل) وعدوها المتخفي في ثوب الإسلام والعروبة أهمية المعلومة وقوتها، حتى أن اسرائيل تتفوق فعليًا على الدول الصناعية الكبرى في مجال التجسس وبرمجياته، بل إن مبيعاتها في هذا المجال تفوق ميزانيات دول بأكملها.

ليس هذا وفقط بل إنها رأت رأي العين كيف أن المعلومة كانت لها تاثير أهم وأقوى من الانقلابيين في تركيا في يوليو (تموز) 2016 رغم أن قوتهم في الداخل والخارج تفوق قوة أردوغان وحزبه أضعافًا مضاعفة.

كما أن غياب المعلومة عن الإخوان المسلمين في مصر مكن منهم العسكري في يونيو 2013 -وكلما تكلم أحد قيادتهم تحجج بأنهم لم يكونوا يعلمون ولم يتوقعوا- حتى وإن برروا، فلأن تعود منتصرًا مظفرًا خير من أن تأتي مهزومًا منكسرًا تبحث عن مبرر لفشلك، لأن العامة دائمًا مع المناصرين.

كل هذا وغيره الكثير والكثير يعلي من شأن المعلومة حتى إنها تصير أغلى من ملايين الأرض.

قد يقول قائل -وسيقول الكثيرون- وأين إرادة الله عز وجل؟ والجواب لهؤلاء أن الله سبب أسبابًا وسن سننًا لا بد أن تسري علي الجميع حتى أنها سرت على أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم.

وإذا لم تسعَ في سبيل امتلاك أسباب النصر فانتظارك له يسمى في ديننا تواكل، والتواكل حرام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد