إن نجاح حركة حماس في نيل ثقة الشعب الفلسطيني الانتخابية عام 2006، وتشكيلها للحكومة الفلسطينية العاشرة،  قد ألزماها العمل على تشكيل تحالفات سياسية عربية وإقليمية. فمنذ الإعلان عن حركة حماس عام 1987م بالتزامن مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية، وهي تشكل حالة مقاومة فلسطينية تحظى بقبول شعبي واضح، كونها تمثل الخيار الإسلامي في الثورة الفلسطينية.

ولعل وجود منظمة التحرير الفلسطينية كواجهة تمثيل فلسطيني متفرد، مع قرار صريح بتجاوز العمل العسكري المقاوم لصالح تسوية سياسية مثلتها اتفاقيات أوسلو (13 سبتمبر 1993م)، قد وضع حركة حماس في مواجهة –شبه – إجماع عربي اعتبر أن السلام خيارهم الإستراتيجي، وإن كان باختلاف شكلي من ناحية لبنان وسوريا وبعض الدول من خارج الطوق.

ولفهم خارطة تحالفات حماس؛ لابد من فهم منطلقاتها المرحلية الثلاثة والتي تتمثل في دعم حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، ورفع الحصار عن غزة والسماح بإعادة إعمارها، خلق ديمقراطية فلسطينية على أساس «الشراكة السياسية». وهي ولا شك منطلقات لا يختلف عليها فصيلان فلسطينيان – في الظاهر، غير أنه معلوم أن ثمة تيارين رئيسيين للفصائل الفلسطينية: تيار «التسوية» الذي تقوده حركة فتح، وتيار «المقاومة» الذي تقوده حماس. وهما لم يفلحا – حتى اللحظة – في تطبيق أي من الاتفاقيات – الكثيرة – والتي كانت تطمح إلى إنهاء الانقسام وتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني، وذلك – بالتأكيد – لا يتعارض مع منطلقات حماس المرحلية.

معلوم أنه لا يوجد ثبات في السياسة ولكن هناك مصالح متغيرة، فـ«ثوابت السياسة هي تغير المصالح». ولعل ثورات «الربيع العربي» قد منحت حماس فرصة لتحالفات عربية قوية، كانت قادرة ولا شك على فتح المجال أمامها لتحالفات إقليمية وازنة. غير أن الحلف الأقوى عربيًا قد أذهب تلك الفرصة. فما لبثت القوى العظمى أن دفعت بكل ثقلها عبر حلفائها لإفشال تلك الثورات في مصر حيث كانت فرصة حماس الكبرى، وفي سوريا حيث كانت قاعدة حماس القوية، وفي اليمن حيث كانت أرض الحشد والدعم.

إن تعزيز حماس لقوتها الذاتية بوصفها حركة سياسية تحمل مشروعًا يحظى برضا شعبي وتمثيل برلماني ونقابي، وبنية عسكرية قادرة على حماية قرارها السياسي، يجعل من إعادة بناء خارطة تحالفاتها أمرًا غاية في الأهمية والأولوية، خاصة في ظل حالة الاستقطاب الإقليمي والتحالفات الدولية التي تجري بعيدًا عن مركزية القضية الفلسطينية.

وهنا يظهر جليًا أن الجمهورية الإيرانية تمثل أقوى الأطراف بما تمثله من قوة عسكرية وأمنية تحتاجهما حماس لدعم مشروع المقاومة الذي تقوده، كما أن الجمهورية التركية تبدو أنها أكثر المؤهلين لتوفير حماية سياسية واقتصادية عبر اتفاقها مع إسرائيل فيما يتعلق برفع الحصار عن غزة. ولعل دولة قطر مستمرة بتقديم أوراق مالية وسياسية لصالح جميع الأطراف، وهذا ولا شك يساعد في فكفكة كثير من الأزمات الحادة لحماس.

وبلا شك فإن كل الذين يعتبرون إسرائيل عدوًا تجب محاربته، أو أولئك الذين يؤمنون بضرورة منح الفلسطينيين دولة مستقلة؛ يجب أن يكونوا في حسابات حماس، سواء كانوا في نصف الكرة الأرضية الشرقي أم الغربي! مع ضرورة إدراك أن تجاوز القوى الإقليمية في المنطقة أو تجاهل التحالفات الدولية؛ هما فكرتان سيئتان، وخطيئتان لا يجب أن تقع فيهما حركة شابة مثل حماس. والسودان وليبيا قد قدمتا درسًا سيئًا في ذلك.

كما أنه بالنظر إلى الوضع اللبناني فإننا نرى أن أحدًا لا يمكنه أن يرهن كل قراره على الخارج، والحليف لا يبقى حليفًا ما دام يفرض شروطه، التي تغدو مع الوقت أوامر السيد لتابعه. وأمام حماس فرصٌ متعددة خارج الحدود العربية والإسلامية لإيجاد تحالفات سياسية، وشق طرق جديدة بين جبال السياسة لتصل إلى غايتها في دعم مشروع المقاومة وفك الحصار وتعزيز الشراكة السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد