قد يبدو العنوان متناقضا في صياغته، إذ إنه يستفهم عن أمر له علاقة بالمستقبل ومع ذلك يتضمن رقما يشير إلى تاريخٍ من الماضي، حسنا لا بأس، ستتضح الصورة أكثر حين إتمام المقال الذي سأناقش فيه بعض القضايا الخاصة بالمفاهيمية التاريخانية، والذرائع والمسوغات الرهانية، التي تبقي حماس متمسكة بمقاليد الحكم في غزة.

نعيش نحن الفلسطينيين في قطاع غزة ويكأننا ننتظر شيئا معينا، ما هو هذا الشيء، ففي الحقيقة لست قادرا على تحديده بالضبط، لكننا ننتظره، أو نتوقع حصوله.

– إنهاء الحصار؟

– ربما.

-تحرير فلسطين؟

-ربما.

وربما أيضا استكمال احتلال ما تبقى منها (الضفة وقطاع غزة)،  والعودة مرة أخرى للعيش في كنف الاحتلال.

أما المصالحة فهي الشيء الوحيد الذي لم نعد نحن كفلسطينيين ننتظره حتى لو جاء، لأنه سرعان ما سيغادر.

بيد أن حماس تنتظر شيئا آخر، وتنظر إلى شيء أهم، ففي تصريح دفعته الصراحة العفوية مع الجماهير – والتي هي بالتأكيد ليست صراحة عبثية – أعلن وزير الداخلية السابق والقيادي البارز في حماس فتحي حماد، بأن تحرير فلسطين قد تبقى له بضع سنوات وأنه بحلول عام 2022 ستكون إسرائيل قد انتهت من الوجود، وقد أقمنا عليها الدولة الفلسطينية كما هو موثق بالفيديو التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=wq73X3vOsl0

هذا الكلام لم يكن عبطا، ولا سقطة لسان، بل تعبير أسفر عن المدرسة الخيالية التي تتمنهج فيها سياسة الحركة وتصاغ رؤيتها، فقد سبق وأن صرَّح بمثله المؤسس والأب الروحي لحماس الشيخ أحمد ياسين في لقائه مع مذيع الجزيرة مطلع هذا القرن في الفيديو التالي:

حماس وأوهام الخيال السياسي

طبعا لا يخفى على ذي اطلاع بسيط بالحركات النشطة في المنطقة والإقليم ميكانيزمات صنع الخطاب الإعلامي عند الإسلاميين العرب، ومناويل غزل القرار السياسي، والتي تناولتها بالتفصيل في مقال سابق هنا: (إعلاميا لماذا فشل الإسلاميون العرب ونجحوا في بلاد أخرى؟

وهي معرفةً حملت خصومهم لاتهامهم بالعيش في هستيريا قبلية، ودفعت نقادهم لدمغهم بالرهبانية المعرفية، كما أفرزت أجيالا صنع فكرها حصرا على موائد القرآن الكريم وكتب السيرة النبوية والأحاديث الشريفة، والفقه الإسلامي وغيره من المصادر التي عززت الفهم والتصور القائم على عودة عصر السيف والرمح يوما -بل قريبا- إيذانا بانتهاء إسرائيل.

ومع قدسية الدراسات الدينية وأهميتها في تعريف المسلم بعقيدته وديانته – والتي هي بالنهاية شأن خاص بينه وبين ربه – إلا أنها تغدو نقمة على صاحبها حين اعتمادها حصرا كمنطلق للتصريح والخطاب الإعلامي، وحين الاستناد إليها عند اتخاذ قرار له علاقة بالشأن الدنيوي المجرد، ويغدو نقمة أكثر حين يتم استخدام نصوصها لدغدغة عواطف العوام وتصبيرهم بصنع وعي كاذب أو هلامي التحقق، وبذلك يتم تخديرهم بمهدئات وأحلام التحرير والنصر، حتى تهون أمامهم كل مستحيلات الحياة: من بطالة وفقر وأمراض وقطع للماء والكهرباء وحرمان من السفر والتجارة والصناعة،  عدا عن المهددات القادمة كالتراجع المتزايد في جودة المحاصيل الزراعية وجودة المياه، والدمار والتراجع في البنية التحتية التي لخص حالتها تقرير للأمم المتحدة أفاد بعدم صلاحية غزة للعيش الآدمي في عام 2022.

سأقفز عن جميع آثار الحصار وتبعاته فأصغر مطلع على الشأن الفلسطيني يعلم بخطورته المتزايدة، وسأذهب بعيدا في الماضي الذي تستوحي حماس منه مبرراتها السياسية، وتصوغ خطاباتها الإعلامية.

صناعة الوعي الدوغمائي

في وجدان الفكر الإسلامي المعاصر تتربع قاعدة مفاهيمية تؤمن بأن السجون والمعتقلات – كما حصار غزة – إنما هو ضريبة يدفعها المتطلعون للنصر تستوجب صبرهم لإستعادتها، تماما كما صبرت جموع الصحابة والمسلمين على الحصار الذي فرض عليهم وهم في شِعب أبي طالب لثلاث سنوات، وكالحصار الذي فرض على المسلمين وهم في غزوة الأحزاب، حين اضطر الواحد منهم أن يربط على بطنه حجرا من الجوع، بينما حجران كان يربطهما النبي محمد.

سأقفز مرة أخرى عن تساؤلات عديدة تجعل من المقارنة بتلك الأزمنة سذاجة فكرية صرفة، ليس ابتداءً لكون رسول الله نبي موحى إليه مؤيد بالمعجزات العينية التي تجعل إيمان الصحابة به إيمانا مطلقا وتصديقا كاملا مستعدون في سبيله لتحمل أي عواقب، وليس تنظيما سياسيا يخطئ ويصيب في سياساته.

وليس لأن محطات الحصار في مجموعها لم تتجاوز الأعوام الأربعة كأقصى تقدير، وليس ختاما لكون رسول الله مثَّل بسلوكه أفضل نموذج للقيادة المتحملة لأضعاف ما تتحمله العوام.

سأقفز عن كل ذلك لأناقش حادثة أهم من التاريخ الإسلامي يوم أن حاصر الحجاج بن يوسف الثقفي مكة المكرمة طالبا الظفر برأس خليفة المؤمنين يومئذٍ عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وذلك لرفضه النزول عن الخلافة ورفضه الإذعان لبيعة عبد الملك بن مروان، فحاصر الحجاج مكة المكرمة وضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق، وجوَّع أهل مكة من صحابة وتابعين حتى تنازلوا وسلموا الخليفة الشرعي المبايع له في الحجاز ومصر والعراق وخراسان آنذاك عبد الله بن الزبير ابن حواري رسول الله. حتى إن أول من أرسل للحجاج بالتنازل هم أبناء عبد الله بن الزبير أنفسهم (الخباب وحمزة).

لماذا لم يصبر الصحابة والتابعون على حصار مكة؟ ألم يكن الدفاع عن مكة يومها دفاع عن الشرعية السياسية؟

ولماذا لم يعتبروا أن الحصار ضريبة للدفاع عن قدسية المبدأ النبيل الذي نادى به عبد الله بن الزبير حين رفض التوريث الذي تبناه بنو أمية؟

ولماذا لم يفسِّق عبد الله بن الزبير أيا من الصحابة أو التابعين أو يخونهم حين تركوه يقاتل الحجاج لوحده؟

إنني هنا لا أشبه صراع حماس مع إسرائيل بصراع الحجاج مع ابن الزبير، بيد أن ما بين حركتي فتح وحماس لا يمكن تصويره بأنه صراع مؤمن وكافر، ولا بين وطني وخائن، كما أنني هنا لا أدعو حماس لإلقاء سلاح المقاومة، أو للاعتراف بإسرائيل، وغير ذلك من الحلول الدوغمائية الناتجة عن السقوط في المقارنة البتراء بين الواقع والبديل، ففي السياسة مساحات رمادية كبيرة تحول دون إجبارك على التورط باللون الأسود أو غصبك لكي تقبل بالأبيض، كما أن هذا المقال أيضا ليس للتشكيك بصدق ووطنية حماس، فقد سبق وأن أشدت بتميز هذه الحركة عن باقي الفصائل في مقالي المعنون بـ: خمسة أسباب تجعلك ترفع القبعة احتراما لحركة حماس https://www.sasapost.com/opinion/5-reasons-why-you-lift-the-hat-out-of-respect-for-hamas-among-other-factions/ بل هذا المقال استكمال لما انتهى إليه المقال السابق من تحديات جمة تواجهها حماس، وتساؤلات ضخمة تقف حماس أمامها خالية الوفاض، ودعوة صريحة لإعادة النظر في الأداء الرهاني الذي تنتظره حماس.

رهانات الواقع الذي لا نتعلم منه

فإذا كانت حماس تراهن على سلاحها والأنفاق التي تعدها لمواجهة دولة نووية، وتسير مطمئنة تحت كنف الآية: «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله» فإن أفضل رد تفرضه الوقائع هو: «وكم من فئة قليلة لم تغلب فئة كثيرة أيضا» ألم يقل الله عز وجل عن صحابة رسوله بعد أن كان الواحد في قتاله يساوي عشرة من جنود العدو: «الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن ألف يغلبوا ألفين» أي أن الواحد من الصحابة أصبح يساوي اثنين بعد أن كان يساوي عشرة!، وحين نسمع حديث رسول الله: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، فإنني أستفسر كم يساوي الواحد منا ليهزم دولة نووية، أو ليوازيها بعد تعاقب عشرات القرون بعد زمن (خير القرون) زمن رسول الله حين أصبح الواحد يساوي اثنين؟؟

وإذا كانت تراهن حماس وتنتظر وقوف نظام عربي معها حتى هذا العام 2022 بعد الإطاحة به أو الثورة عليه، فلماذا لم تتعلم حماس من درس حرب 2014 حين رفضت حماس المقترح المصري الذي جاء بعد 7 أيام من الحرب بوقف غير مشروط لإطلاق النار وعادت لتوافق عليه بعد 51 يوما من التدمير والتقتيل، لرهانها الخاسر على دور قطري أو تركي عجز أن يقدم أي شيء تماما كعجزه أن يقدم شيئا في الدولة الأكثر ألما وقربا منه (سوريا).

ألم تؤمن حماس أن جميع أنظمة المنطقة ومعها شعوبها قد كمُل تخمرها وطهوها على نيران الاقتتال الداخلي؟ وأنه جاري العمل شيئا فشيئا على تفتيت ما تبقى من مقومات الحضارة المدنية والقوة العسكرية في بلدان المنطقة التي غشيها الربيع العربي، وتدجين الشعوب الأخرى وترويضها على تفضيل استقرار الديكتاتوريات مهما أجرمت وبطشت على فوضى الثورات مهما حلمت ووعدت؟ بل إقامة حواجز العزل وكوابح التفتيت للدول الصديقة للقضية والمغردة خارج سرب الرضا الدولي (كتركيا)؟

الجهد الذي لم يعد له ثمن

أتذكر وأنا أكتب تلك الكلمات تصريحا لقيادي في الجبهة الشعبية عبر برنامج (حكاية ثورة) في معرض اعتراضه على اتفاقية  أوسلو حيث قال ما نصه: «تعجَّل ياسر عرفات على حصد مجهوده العسكري بالفوز السياسي، ونحن في قيادة الجبهة الشعبية نتحفظ على هذه الخطوة ونراها مبكرة».

فإذا كان نضال الزعيم ياسر عرفات اللامحدود في حجمه قد أفرز للفلسطينيين كيانا على أرضهم بما يشمله ذلك من مطار وميناء ومقومات عدة لدولة مؤسسات شبه كاملة، فما هو الحصاد السياسي القادرة حماس على جنيه بعد سنوات المقاومة تلك والتي تسبب عدم وضوح الرؤية فيها إلى ضياع المقومات السابق ذكرها جميعا؟

ولا زال السؤال الذي يطرح نفسه وقد بدأ العد التنازلي بالتسارع، ولم يتبق  لعام 2022 سوى بضعة أعوام، ماذا لو لم تتمكن حماس من تحرير فلسطين في عام 2022 وبقي الحال على ما هو عليه أو ازداد سوءاً؟ من سيدفع لآلاف الأجيال الذين تسبب وجود حماس في الحكم – بحرمانهم من حيواتهم وحقوقهم؟ من سيعيد أرواح المئات الذين قضوا انتحارا لضيق ما بيدهم، أو موتا لانغلاق المعابر أمام علاجهم، أو غرقا للبحث عن بلاد استقرار تحقق أحلامهم؟

بل أي خيبة أمل ستخيم على هذا الجيل، حين ينفض يده من المشاركة بأي جهد مستقبلي يهدف لإرفاد القضية ودعمها بما يحقق لها انتصارا واستعادة – بعيدة المدى – لحقوقها ومطالبها؟

ما أريد ان أخلص إليه من مقالي هذا هو ضرورة مراجعة المسلك الذي خطته حماس لنفسها – إن كان موجودا – والذي تتمسك بسببه حماس بالحكم وتعيش فيه بأجواء تامة الانسجام مع الذات، قبل أن يأتي عام 2022 تصبح فيه أوضاعنا المعيشية والتعليمية والاجتماعية أشد بؤسا مما كانت عليه عام 1922.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد