بالرغم من الفارق الرهيب في عدد القتلى بين الجانبين، إلا أن الحكومة الحالية لم تستطع أن تسوق إلى الشعب الإسرائيلي فوزها في تلك الحرب وهذا يرجع إلى أن المواطن الإسرائيلي أصبح يجد نفسه مضطرًا إلى أن يبيت بضعة أيام في الأسبوع في ملجأ الصواريخ الإسرائيلي وهو ما لا يبدد غضب المواطن العادي حتى لو سمع بمقتل بضعة مئات من شباب فلسطين أسبوعيًا.

 

فكيف تستطيع حماس أن تحقق نصرًا في حربها تلك حتى مع الفارق الشاسع بين الدولتين؟ كي نجيب على هذا السؤال لابد أن نقر أن الهدف من الحرب الحالية مع إسرائيل هو كسر الحصار بشكل يسمح لغزة بإدخال كافة البضائع فيما عدا الأسلحة إلى ميناء ومطار تحت إشراف دولي رمزي مما سيسمح لغزة لاحقًا أن تقوم بإمداد صناعتها العسكرية بالمكونات المهمة لها وطبعا إسرائيل تتوقع هذا وتحاول أن تتجنب هذا في اتفاقها الحالي مما يؤخر الاتفاق.

 

يتوقع كاتب هذه المقالة أن يتم الاتفاق بعد بضع أسابيع بحل وسط يسمح بمطار أو ميناء تحت رقابة دولية لكن هي مسألة شهور حتى تتجدد الاشتباكات بين الطرفين بسبب محاولة إسرائيل تقليم أظافر حماس في محاولتها للتسلح أو كي تعرف مبكرًا بالمفاجآت الجديدة التي تضمها الترسانة الغزاوية.

 

فما هي الكروت التي لدى غزة كي تعوض الفارق الرهيب بين القوتين؟ أثناء الحرب العالمية الثانية لم يكن هناك وجود للقذائف الصاروخية الموجهة إلا أن هذا لم يمنع لندن من أن تستيقظ على قصف رهيب أثناء معاركها مع ألمانيا، ولم تستوعب ما هي التكنولوجيا التي مكنت ألمانيا من قصفها حتى نهاية الحرب، إلا أن هذا القصف الغامض بقنبلة تسمى فوسلر لم يشمل إلا لندن فقط.

 

فما هذا السلاح الغامض الذي استطاع أن يقطع أكثر من ألف كيلومتر حتى يصل إلى لندن ولم يشمل القصف باقي المدن الإنجليزية والقواعد العسكرية للحلفاء مع حاجة الألمان لقصفها؟

 

كي نجيب على هذا السؤال لابد أن نتعرف على تكنولوجيا توجيه الصواريخ في تلك الحقبة من التاريخ، وهي في ذلك الوقت .. لا شيء!

 

لم يكن هناك سوى المعادلات البسيطة للقذائف التي يدرسها طلبة الديناميكا اليوم في كلية الهندسة، أي أن التكنولوجيا كانت ألمانية الولادة وكانت حقًا بسيطة التطبيق.

 

كل ما فعله الجيش الألماني هو أن قام بتوصيل مروحة موازية لاتجاه إطلاق الصاروخ بترس صغير داخل الصاروخ يقوم باحتساب عدد اللفات مثل الموجود في ساعة الجيب بالضبط، على أن تحرك الرياح تلك المروحة أثناء طيران الصاروخ، وبناء على التجارب تمت معرفة عدد اللفات التي ينتجها كل ميل من الطيران.

 

مما يعني أنه توجد الآن معادلة يتم التعويض فيها بثابت، تمكن الألمان من معرفة عدد الأميال التي يقطعها الصاروخ وهو ما كانوا يحتاجونه كي يقوموا بقصف غير دقيق لمدن بحجم كبير مثل لندن، لكن بسبب عدم استطاعة تغيير مسار الصاروخ في الجو لم يكن بالاستطاعة ضرب أهداف أصغر إذ يكفي وجود رياح قوية كي تفقد أغلب الصواريخ وجهتها.

 
الفوسلر الغزاوي

تبدو حتى الآن تكنولوجيا توجيه الصواريخ غامضة في صواريخ القسام حيث أن أغلب الصواريخ يمكنه أن يصل للمدن الإسرائيلية لكن لا أحد يعلم هل يتم هذا باعتماد على تكنولوجيا الفوسلر أم أن القسام تستخدم مثلا تكنولوجيا نظام الملاحة العالمية أم هي فقط زوايا إطلاقه؟ إلا ان هناك عدة مشاكل تمنعها من الوصول إلى نفس مستوى الفوسلر وهي:

 

(1) أغلب أجسام الصواريخ الفلسطينية مصنوعة من مواسير المياه مما يسهل عملية تصنيعها، لكن يحد من قدرتها على حمل المتفجرات والوقود، والمشكلة الآن فقط في المتفجرات لأنها تحد من القدرة التدميرية للصواريخ وحتى لو حاولت حماس إنشاء مسبك فلن تتوانى إسرائيل عن قصفه فورًا وهي التي تقصف ورش الخراطة بالقطاع.

 

(2) لا توجد تكنولوجيا لتوجيه الصواريخ لكن توجد تكنولوجيا لإسقاطها في حال وصولها لمدينة أو يتم إسقاطها بتوفير وقود كافٍ فقط لتوصيلها لوجهتها.

 

(3) في حالة زيادة شحنة التفجير سيقصر مدى القصف ولو تم زيادة مدى القصف لن تُحدِث شحنة المتفجرات ضررًا بالغًا.

 

(4) حتى لو تم تطوير تقنية لتوجيه الصاروخ، فما هو الأثر الذي يمكن لصاروخ وزنه 9 كيلوجرامات أن يفعله في مبنى؟ طبعا أثر لا يكاد يذكر.

 

إذن ما هي الطرق المتاحة أمام غزة كي تقفز هذه الفجوة؟ الإجابة هي أنه أحيانا تكون بعض نقاط الضعف قوة لا يخدمك تعويضها، فمثلًا زيادة حجم الصواريخ سيؤدي إلى سهولة رصدها وإسقاطها من قبل القبة الحديدية، فصغر الحجم وكثرة العدد هو ميزة برغم عيوبها.

إلا أن عيب قلة الأثر يمكن التغلب عليه عن طريق اختيار أهداف لا تحتاج إلى كمية ضخمة من المتفجرات كي تحدث ضررًا بالغًا مثلا: محطات الوقود، محطات التكرير، آبار البترول، آبار الغاز، محطات الكهرباء، صناعات البتروكيماويات، خطوط الكهرباء.

هذه فقط أمثلة ويمكن لحماس أن تجد عشرات الأفكار الأخرى من خلال بحثها في نظم الملاحة الجغرافية

 

تبقى فقط مشكلة توجيه الصواريخ وأفضل حل يوجد لهذه المشكلة مع انخفاض إمكانيات حماس هو استخدام نظم الملاحة الجغرافية لهذه الأسباب:

(1) توجد بالفعل الكثير من الأجهزة المحمولة سهلة البرمجة رخيصة الثمن (حتى الهواتف الذكية).

 

(2) يمكن بسهولة توصيل الهاتف أو الجهاز بمفجر يقوم بفصل الجزء المتفجر من القاعدة حال وصوله للهدف.

 

مما يجعل المشكلة المتبقية هي فقط ملاحة الصواريخ، لو أن حماس ليس لديها أي تكنولوجيا لتغيير اتجاه صاروخ بعد إطلاقه وتعتمد على معادلات المقذوفات الديناميكية كي تقوم بقصف المدن فكيف يمكن أن تعيد توجيه صاروخ بالجو كي يصل لهدف معين؟

 

إجابة هذا السؤال هي أنه لا يمكن بإمكانياتها الحالية أن تفعل هذا إلا أن هناك طريقة أخرى يمكنها أن تمكنها من إصابة هذه الأهداف عن طريق أن تحاول إصابة كل الأهداف مجتمعة وليس منفصلة عن طريق كل الصواريخ مجتمعة وليس منفصلة! كيف؟

الإجابة هي عن طريق مبدأ العبثية أو النثر، لنفترض أنه بعد تحليل نظم المعلومات الجغرافية للعدو فإن حماس قامت بتحديد ٤۰۰۰۰ هدف (تتراوح بين محطات تكرير وأبراج بث … إلخ) فلا توجد أمامها أي طريق كي تقوم بإصابتهم بدقة، لكن لو تم إدراج كل هذه الـ ٤۰۰۰۰ في ذاكرة أجهزة ملاحة الصواريخ جميعًا فإن كل صاروخ سوف يمر حتمًا من فوق أحد هذه الأهداف الـ ٤۰۰۰۰ مما يرفع نسبة إصابة الصواريخ لأهدافها بنسبة 99% وليس 5% كالنسبة الحالية.

 

مما يعني أنها فقط مسألة وقت حتى تضطر إسرائيل لرفع الحصار الكلي عن غزه طلبًا للسلامة! فأي بلد في العالم لا يمكنها أن تعيش بلا محطات وقود وكهرباء خاصة إسرائيل خاصة أن بناء أسقف حماية لكل تلك المنشآت سيتطلب أعوامًا تكون خلالها سماء إسرائيل مباحة لحماس وتستطيع حماس أن تستغل تلك الفترة لتطوير قدراتها الصاروخية أكثر خاصة بعد أن يكون الحصار قد رفع، حقا لقد أثبتت لنا تلك الحرب أنه ليس للمسلمين خطيئة كبرى سوى الضعف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد