سؤال يثير الكثير من الغرابة والاندهاش حوله، لكن حُقَّ لنا أن نسأله بعد هذا الجدل العالمي الكبير على خلفية تعزية «حماس» بالجنرال سليماني، ومشاركتها في جنازتها بالعاصمة الإيرانيّة طهران.

نعم، لقد ترك المغردون حول العالم قاسم سليماني، والملايين الذين شاركوا في جنازته في العراق وإيران، والتفتوا فقط إلى إسماعيل هنيّة، رئيس حركة المقاومة الإسلاميّة «حماس».. لماذا؟

عندما يُصرح أحد قادة «حماس» تلتفت إليه كل وسائل الإعلام.. عندما يُغرد أحد قادتها تتلقف تغريدته مئات الصفحات والوكالات.. عندم يُصدرون موقفًا يُناقش موقفها الاعلام المحلي والإقليمي وحتى الدولي.. حتى في القمة الإسلامية المصغرة في ماليزيا الكثيرون التفتوا إلى حضور خالد مشعل، وكلمة خالد مشعل، وقادة الدول المشارِكة بدت على وجوههم السعادة والانشراح وهم يُقبّلون قادة «حماس» المشاركين.. عندما يذهب إلى إيران تقوم الدنيا ولا تقعد.. عندما تُصدر الحركة بيانًا يقومون بتحليل حتى أحرف الجر الواردة فيه!

وأنا هُنا أقصد المُحب والكاره، المنسجم مع مواقفها والمُتصيد لأخطائها.. جميعهم يقفون لكل همسة تهمسُ بها «حماس»! فهل أصبحت «حماس» محور هذا الكون؟

أما عن الأسباب التي تدفع الجميع لذلك فهي متعددة، فالمُحب يرى أنّ «حماس» ذكيّة تُجيد فن المناورة السياسية، ولا تكون ولن تكون يومًا في جيب أحد، إنما تفعل وتُصرح وتزور وتُعزي وفقًا لمتطلبات المرحلة، وحرصًا على مصلحة المقاومة، وأنها لا تتنازل عن مبادئها وخروجها من سوريا، وفي المقابل خلافها مع السعودية دليل على صحة ذلك.

أما الكاره والمتصيد، فيرون أن «حماس» غيّرت وبدلت، وأصبحت رهينة إيران، تقول ما تقول به إيران، وتفعل ما تمليه عليها إدارة طهران.. ويختلفون مع «حماس» في كل أمر، وكأن الإختلاف مع «حماس» أمرٌ فطري في جيناتهم، وقد بلغ بهم الأمر أن يقفوا مع الاحتلال ضد «حماس»، قولًا وفعلًا، تصريحًا وتلميحًا.

وهنالك الصنف الثالث، الذي يُحب الحركة ويختلف مع العديد من قراراتها وتصريحاتها، ويُعاتبونها عتاب المُحب.. وهُم كثر أيضًا.

وأمام هذا المشهد، نرى بما لا يدع مجالًا للشك أهمية حركة «حماس» في الساحة العالميّة، شاء من شاء، وأبى من أبى، فهي قد فرضت نفسها بقوتها وشعبيتها، وأصبحت رقمًا عالميًا لا يُمكن تجاوزه أو القفز عنه، فلا يُمكن لأي اتفاق يتحدث عن فلسطين أن يمر دون «حماس»، وهو الأمر الذي بات يعترف به قادة العدو الصهيوني، حيث أنهم أقروا في أكثر من مناسبة أن «حماس» أصبحت خصمًا قويًا لا يُستهان به، وقد هزمت جيش الاحتلال في عدة مواضع عسكرية وسياسية وإعلامية.

هذا الثقل الكبير والوزن الضخم لحركة «حماس» في الساحة المحلية والدولية له ضريبة، وضريبة ذلك أنها باتت مُحاسبة على كل همسة تهمسُ بها.. فهي التي عرضت عليها السعودية بحجمها وثقلها إقامة علاقات وثيقة معها شريطة قطع العلاقة مع إيران، لكنها رفضت، وأكدت مرارًا وتكرارًا أن إقامة العلاقة معها لا يكون على حساب علاقة مع دولة أخرى.

وهي التي طُلب منها موقفًا داعمًا للنظام السوري في بداية الثورة، فحملت أمتعتها وخرجت من دمشق وقالت: مَن ساندنا في الحق، لا ندعمه في الباطل.. وقد دفعت ضريبة ذلك بتأثر العلاقات مع إيران، لكنها عادت وتحسنت، ولم تعد «حماس» إلى سوريا، وبقيت على قرارها ومبدئها.

«حماس» القويّة أشهد أنها تُجيد فن المناورة السياسية، وتتعامل مع الجميع بحجمها الكبير وأنها قوة سياسية وعسكرية لا يُمكن تجاوزها، بل لا يمكن هزيمتها أو الضغط عليها أيضًا.. فهي تُجيد فن اللعب في ملعب السياسة، ومناورة الخصوم بشكل ذكي.

«حماس» التي عزت في سليماني، هي ذاتها التي رفعت علم الثورة السورية.. «حماس» التي ناصرت مُرسي لحظة الانقلاب، هي نفسها التي تجلس مع مخابرات السيسي.. «حماس» التي تربطها علاقة جيدة مع الحوثيين، هي ذاتها التي رفضت الانقلاب على إرادة الشعب اليمني.. «حماس» التي خرجت نُصرة لحلب التي تقصفها الطائرات الروسية، هي ذاتها التي جلست مع القيادة الروسية في أكثر من موضع.

هذا ليس تناقضًا ألبتة، بقدر ما هو فن الممارسة الذكيّة لعلم السياسة.. لها مواقفها ومبادئها وثوابتها، ولكنها لا تمانع الجلوس مع الكل، والاستماع إلى الكل.

وأخيرًا فلتعلموا أنّ قرار «حماس» ليس فرديًا، ولم يكن كذلك في يوم من الأيام، بل لديها مجلس شورى يُتخذ من خلال القرارات بالإجماع، وهي تعلم جيدًا ما الذي تفعله، ويعلم الجميع أنها حيثُ يجب أن تكون، ستكون!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد