«تعرف حمدي ووفاء؟»،«طب سمعت عن أحمد حسن وزينب؟»، الإجابة بالتأكيد نعم، فملايين المشاهدات التي نراها لمقاطع صناع المحتوى أو«الولا حاجة»، خير دليل على كثافة من يعرف عنهم ومن يسمع منهم ولهم، فأقل مقطع لحمدي ووفاء، يشاهده قرابة مليون متابع على شبكات التواصل الاجتماعي، بينما سبقه أحمد حسن وزينب في معترك صناعة «المحتوى الهايف»، إن صح التعبير أن ذلك محتوى بداية، وكل هؤلاء المتابعين معنا على الكوكب نفسه، وفي الأغلب نحن منهم، ولكن صديقي هل رأيت أول غراب أبيض في مصر، والشرق الأوسط؟

كيف نمى في وادينا كل هؤلاء؟

قبل أن أُعرفك على أول غراب أبيض في مصر، يجب أن نسأل لماذا غزا صناع المحتوى غير الهادف أجهزتنا النقالة ومنازلنا وأعمارنا وعقول صغارنا؟، بينما غاب صناع المحتوى الحقيقي أصحاب الرسالة والفكرة والرأي، أنت نفسك إن كنت ممن يقضون أكثر من ساعة على تلك المواقع، فبالتأكيد تعرف الكثير من الذين يقدمون «الولا حاجة» في مقاطع مصورة، بينما أنت أيضًا ربما لا تعرف من الفريق الآخر سوى الدحيح، أو بعض صناع المحتوى المؤدلج المتوافق مع آرائك وتوجهاتك.

أكثر من 50 مليون مصري يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي بداية من الأشهر «فيسبوك» و«يوتيوب» و«تويتر» وليس نهاية بـ«تيك توك» و«لايكي»، في أغلب الأحيان يبحث هؤلاء ونحن منهم على تقليل ضغوط الحياة اليومية، وبحثًا عن الترفيه والمرح والسعادة الغائبة في حياتنا الحقيقية، ربما تبحث فئة قليلة عن محتوى مفيد وسط زحام المقاطع المصورة، وقد يحتاج بذل مجهود مضاعف للحصول على ما يفيده ويقدم له معلومة أو نصيحة، وحتى من يقدم ضحكًا حقيقيًّا بعيدًا عن المقالب الساذجة والقصص المزيفة.

حمدي ووفاء.. هي بنا نفعل «الولا حاجة» 

الجميع يبحث عن لحظات من (الانبساط) والسعادة، حتى هؤلاء الذين يهتمون بالمحتوى الهادف، ولكن السؤال ما هو المفيد أو المضحك في مقطع مصور بعنوان «أنا حامل وردة فعل زوجي»؟، الأمر لا يحتاج لتفكير أو تخمين، ليس في الأمر «ضحك» أو فائدة، فضلًا عن أن صاحبة المقطع المصور ليست أنجلينا جولي أو جورجينا صديقة كريستيانو رونالدو نجم يوفنتوس الإيطالي، لكن المفاجأة أن هذا المقطع حصد على موقع «فيسبوك» فقط، 14 مليون مشاهدة و30 ألف تعليق ونصف مليون إعجاب إضافة لقرابة 5 آلاف مشاركة، ليس المقطع لأحد مشاهير العالم، لكنه لصناع «الولا حاجة» حمدي ووفاء. ربما تخشى شريحة كبيرة من رواد مواقع التواصل من العلم والمعرفة وتكتفى بالسطحية والمحتوى غير الهادف، حتى لا يصبح عليهم مسؤولية على الأقل بينهم وبين أنفسهم، ففي النهاية لا عبء ولا لوم على الجاهل الذي لا يملك المعرفة، ولأن ذلك بالطبع أسهل وأيسر على النفس.

«الجهل مريح عدم العلم مليح.. عدم العلم عيون تنعس في الليل

ضحكة من القلب من القلب صحيح عدم المعرفة بيخلي الرجالة عيال

يضحكوا يبكوا و دايمًا للدنيا طعم جديد»

عبدالرحمن الأبنودي

في الأغلب أنت لا تعرف من هو وزير الاتصالات المصري في حكومة مصطفى مدبولي، ولا أنا أيضًا أعرف، لكن «السيد جوجل» أخبرني أنه يدعى عمرو طلعت، لكنك تعرف مثلي حمدي ووفاء، فهما يملكان عشرات الملايين من المشاهدات والمتابعين عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، فحسابهما على «فيسبوك» فقط يزيد عن 2,6 مليون متابع، بينما قناتهما على «يوتيوب» وصلت لقرابة 4 مليون مشترك، ومليار مشاهدة، من أجل الاستمتاع بمقاطع مصورة تحمل عناوين مثل «محاولة إنقاذ الجنين.. خامس ولادة قيصرية«، و«عيشنا يوم فلاحي داخل المسبح» و«يومنا الحقيقي كامل.. كان لازم نعمل كدة بعد غضبهم منا».

أول غراب أبيض في مصر.. لماذا نقتل الإبداع؟

بينما يصل صناع «الولا حاجة» إلى الشهرة والنجومية بسرعة الصاروخ، يعيش المبدع وصاحب الفكرة سنوات مريرة، حتى يجد من يقدِّر ما يقدمه من محتوى هادف يفيد الحياة والبشرية، وحتى إن كانت مجرد أفكار تسهل لهم العيش في مجتمع مثل مصر، تصعب فيه الحياة ما لم تكن من الفئة المحظوظة، إلى الحد الذي جعل ملايين المصريين يعرفون بشكل جيد حمدي ووفاء وأحمد حسن وزينب وحليم وأمل وريم وبربري، ولكنهم مع الأسف لا يعرفون قصة أول غراب أبيض في مصر والشرق الأوسط. فكما يقول عالم المنطق أليكساندر زينوفييف «إن التافه هو من ينجو»، «وللتفاهة فرصة أفضل للنجاح».

يقدم أول غراب أبيض في مصر والشرق الأوسط، أفكارًا مبدعة للشركات العالمية، من أجل الوصول لجودة أفضل، ولتسهيل الحياة لعملائهم، كما يحث تلك الشركات على التمتع بالقليل من أخلاقيات العمل، والتحلي بالمبادئ، بعيدًا عن الخداع والتدليس، خاصةً في الإعلانات المبهرة مستعينين بنجوم الأضواء، بينما الأولى من وجهة نظر «غراب» زيادة جودة المنتجات.

اختار محمد غراب أو أول غراب أبيض في الشرق الأوسط – كما يحب أن يطلق على نفسه – اسم «الشكاوي والمقترحات» لبرنامجه المبدع على مواقع التواصل، وجعل منه نافذة صغيرة يحكي للعالم عن أفكاره التي يمكن أن تضيف الكثير لمن يشاهدها فقط، فضلًا عن أهميتها الكبيرة لأصحاب الشركات.

المبادئ أهم من المكاسب، يضع «غراب» هذه القاعدة أمامه دائمًا، وتجد هذا واضحًا جليًّا في أفكاره وحلقاته، ففي إحدى أفكاره من حلقة «الإبداع العاقل»، يقدم «غراب» مقترح «kiaikea» للتعاون بين شركتي kia الكورية للسيارات وikea السويدية للأثاث والمستلزمات المنزلية، تحت اسم «منزلك ناقلك« و«سيارتك منزلك»، حيث يقترح صناعة سيارة ذكية متنقلة تكفي أسرة كاملة، لحل مشكلة فئة من المجتمع تستخدم السيارات بشكل متواصل ولمسافات طويلة. فحاول- كما يقول هو – تحويل مجرد تشابه في أسماء وطريقة نطق الشركتين، لفكرة عصرية نافعة، تحمل قيمًا سامية للإنسان مثل التعاون والمشاركة.

في حلقته «التجارة الرخيصة» يسلط الضوء على الإستراتيجات السيئة التي تستخدمها بعض الشركات، في الإعلان عن منتجاتها، ومنها المطاعم التي تقدم صورة غير حقيقية عن المنتجات التي تقدمها للمستهلك، باستخدام الكذب والتلاعب بالصور من أجل زيادة المبيعات، كما تستخدم بعض الشركات «المرأة» في تلك الإعلانات مثل «روبي» في إعلان مولتو، بينما الأمر أبسط من ذلك بكثير، يكفي الإعلان عن مميزات المنتج الجديد وفقط.

ربما يتأخر قليلًا كل موهوب وصاحب فكرة ورسالة عن الوصول للمكانة التي يستحقها وتستحقه، وربما يعيش عمره كاملًا ولا يسمع عنه وعن أفكاره أحد، ولكن حسبه أنه كما قال تعالى: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد