صعود الفريق أول محمد حمدان دقلو حميدتي نائب رئيس المجلس العسكري السوداني

أن تصنع السيدة بريجيت من ماكرون رئيسًا لفرنسا، وهي التي علمته وأشرفت على تنمية مهاراته القيادية؛ فذلك أمرٌ جيد يدعو للفخر، وأن يسعى مبارك مصرَ السابق لتوريث الحكم لابنه وينشئه على ذلك منذ صغره، فتلك رغبة نابعة من مشاعر أبوية صادقة في السعي الدائم بأنانية مُحببة من الآباء لرسم مستقبل أفضل للأبناء، أما أن ينتقي الرئيس السوداني السابق شابًا من غياهب الظلام وعتمته، ويسكب دِلاء من الأضواء عليه لإزالة ما عَلق به من رمال الحياة البسيطة التي كان يحياها، بالشكل الذي تجعل نفسه تُحدثه أنه يومًا ما سيحكم دولة بحجم الجمهورية السودانية، بكل ما تحمله من ماضٍ ومستقبل عصّي على الإشراق بالطريقة نفسها التي يتحكم فيها بجنوده، فتلك من سُخرية الأقدار على السودان.

حتى بداية الألفية الثانية، لم يكن محمد حمدان دقلو الذي اشتهر باسم «حميدتي»، والذي صار يحمل ثاني أعلى رتبة عسكرية موجودة الآن في السودان، ويقود قوات قوامها آلاف الجنود والضباط، منتشرة في السودان والممكلة العربية السعودية، واليمن، وربما حتى الإمارات، والتي تُعرف بقوات الدعم السريع، هذا بالإضافة إلى شغله منصب نائب رئيس المجلس العسكري الحاكم في السودان، والذي يوازي منصبه منصب نائب رئيس الجمهورية في الجمهوريات الديمقراطية، لم يكن معروفًا في الأوساط السياسية، ولا حتى الأوساط العسكرية، أو النخب الحاكمة، أو النافذة، فهو لم يرتدْ يومًا مدرسة أو كلية عسكرية، ولم يُعرف انخراطه في أي نظام تعليمي نظامي؛ فهو لم يكُن معروفًا، ولكنه هبط فجأة وفرض نفسه على المشهد العسكري السياسي السوداني.

بدأ صعود نجم حميدتي مع بداية أُفول نجم ابن عمه زعيم ميليشيا محلية تُعرف «بالجنجويد»، والتي كونتها وسلحتها الحكومة السابقة لمواجهة التمرد الذي قادته القبائل ضدها، غير أن هذه الميليشيا حادت كثيرًا عن الطريق والهدف المرسوم لها؛ مما دفعها لارتكاب جرائم صُنفت أنها ضد الإنسانية، وجرائم حرب، وجرائم إبادة جماعية، وِفق تصنيف دُولي استنادًا للقانون الجنائي الدولي، مما دفع المحكمة الجنائية الدولية لاستصدار مذكرات اعتقال بحق المتورطين فيها، من بينهم موسى هلال زعيم مليشيا الجنجويد السابق، بعد ملاحقته دُوليًا أصبح موسى هلال كارتًا محروقًا وفق سياسة الحكومة السابقة، وصار لِزامًا عليها إدخال لاعب جديد لتستمر اللعبة، وِفق معايير الحكومة السابقة، اتجهت الأعين نحو حميدتي المُقاتل الشرس صعب المِراس، صاحب المزاج المُتقّلب في صفوف مليشيا الجنجويد، وصارت تجهزه ليخلف هلال في لعب الدور الذي كان يلعبه.

شغل حميدتي منصب مستشار أمني محلي في حكومة ولاية جنوب دارفور، في فترة جرت خلالها مياه كثيرة تحت جسر الحكومة، إذ ضيق المجتمع الدولي الخِناق عليها حول ملفات حرب دارفور، وجُموح مليشيا الجنجويد، وتزايد الجرائم المُرتكبة من طرفهم، بالإضافة لتمرد جبال النوبة والنيل الأزرق، وصارت حركات التمرد تقوى، إذ أصبحت مليشيا الجنجويد غير فاعلة في مواجهتهم، فتغير اسمها وعسكرتها تحت مسمى قوات حرس الحدود.

غير أن قوات حرس الحدود نفسها لم تعد بالفاعلية التي تُريدها الحكومة، إذ حلتها، وأنشأت بدلاً منها قوات شبه عسكرية أسمتها «قوات الدعم السريع»، إلا أن هذه القوات وُلدت يتيمة؛ فكان لا بد من إيوائها وتبنيها لتصير ابنًا شرعيًّا لا يخشى الإعلان عن نسبه، أسندت الحكومة إلى حميدتي مهمة قيادة هذه القوات الجديدة، ومنحته رتبة عميد كأول رتبة عسكرية يتقلدها، وانتدبت ضابطًا رفيعًا مُتقاعدًا من القوات المُسلحة ليكون نائبًا لحميدتي ويُشرف على عسكرة هذه القوات.

بعد تكُّون قيادتها صارت هذه القوات بحاجة لحائط تتكئ عليه، فألحقت بجهاز الأمن والمخابرات الوطني، الذي يتبع للحكومة السابقة، لتكون قوات ضاربة جنبًا إلى جنب مع قوات الأمن الضاربة، والتي تتبع لهيئة العمليات بالجهاز، ولكن نسبة لعدم انضباط هذه القوات، والمعاملة التفضيلية التي كانت تتلقاها من النظام السابق، والذي أدى إلى تذمر قيادات وجنود جهاز الأمن، فصلت هذه القوات من جهاز الأمن، وألحقت برئاسة الجمهورية جزءًا من تُحالف أكبر، جمع بين حميدتي والفريق طه عثمان الحسين، مدير مكاتب رئيس الجمهورية السابق، والذي كان يسعى للسيطرة على مفاصل الدولة، وتكوين دولة داخل الدولة السودانية؛ لمواجهة أعداء داخليين له، ممثلين في مدير جهاز الأمن والمخابرات نفسه، الفريق صلاح قوش وبعض السياسيين من حزب المؤتمر الوطني.

إلا أن طريق حميدتي كان دائمًا مُعبدًا بالغدر، إذ اتهم حليفه الفريق طه بالتجسس لصالح دولة أجنبية، كأكبر جاسوس يُمكن أن تحظى به أي دولة على الإطلاق، إذ كانت تحت يده كل أختام رئاسة الجمهورية السودانية، وكان له إمكانية الوصول المباشر لأعلى هرم السلطة في البلاد، ممثلة في الرئيس نفسه، بكل تفاصيل لقاءاته واجتماعاته، وحتى صحته ومزاجه اليومي ولون السروال الذي سوف يرتديه ليخاطب جموع السودانيين المحتشدين لسماع خطبه ونُكته، بعد هروب الفريق طه فصلت قوات الدعم السريع عن مؤسسة رئاسة الجمهورية.

بعد خروج حميدتي من شرنقته وتخطيه مراحل الشرنقة واليرقة، صار له أجنحة لا تُكسر، ولربما أراد أن يُحلق وحيدًا دون وصي أو حليف، تكونت قيادة منفصلة لقوات الدعم السريع، وصارت قوة نظامية منفصلة، شأنها شأن الجيش والشرطة وقوات الأمن، وصار حميدتي لا يخضع لأي سُلطة، ولا يأتمر إلا بأمر عّرابه وأبيه الروحي المشير البشير، والذي منحه رتبة الفريق ركن، وصار يُنظر إليه بوصفه حامي نظام حُكم البشير، وابنًا مدللًا يُنظر إليه بشيء من الغيرة، وصلت سطوته وخوف أبيه عليه حد معاقبة كل من تكلم عن ابنه بسوء، حتى لو كان ذلك الشخص آخر رئيس وزراء مُنتخب للجمهورية السودانية.

خلال وجوده في الخرطوم بالقرب من مراكز صُنع القرار، كوّن حميدتي لنفسه ما يشبه اللوبي العسكري والسياسي، إذ حصن نفسه وزاد نفوذه استنادًا لقانون البقاء للأقوى؛ إذ صارت قواته مرهوبة الجانب، تهابها حتى نظيراتها من قوات الجيش والشرطة والأمن، ومع تزايد المد الثوري وبزوع شمس الخلاص غير حميدتي ولاءه سريعًا تماشيًا مع الأحداث، وصار يلعب على الكثير من الحبال؛ ليضمن لنفسه مستقبلًا في سودان ما بعد البشير.

وبنظرة سريعة فاحِصة فطِن حميدتي للرفض الشعبي الذي لاقاه المجلس العسكري الأول، الذي تسلم الحكم بقيادة الفريق أول عوض بن عوض، إذ رفض الانضمام له، ومع سقوط المجلس العسكري الأول، أنشئ مجلس عسكري حاكم جديد، ترأسه الفريق برهان المفتش العام للقوات المسلحة، وصار الاثنان اللذان جمعا سويًّا «حميدتي- برهان» خيوط حرب اليمن، ليصير حميدتي نائبًا له في المجلس العسكري، ليضمن بذلك موقعًا له في تشكيل سودان ما بعد البشير، وتعود نفسه لتحدثه من جديد أن بمقدوره أن يحكم دولة بعظمة الجمهورية السودانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد