عند اقتراب صدور أي تقرير من إحدى المؤسسات الرقابية في بلادنا، يتبادر لنا أنه شبيه بما سبقه، لا جديد فيه سيذكر، ولا يوجد فيه أي استشراف ذي بعد إيجابي، مجرد أوراق يملأها حبر قد تتجاوز أحيانًا قيمته محتوى تلك الورقة التي كتب عليها، وحتى إن كان ذا مضمون قوي ومؤثر يبقى حبيس الرفوف؛ إلى أن يزول مداده وتطوى قصته ويتناسى الناس حدثه.

لكن في التقرير الأخير الذي أصدره المجلس الأعلى للحسابات عن الاختلالات التي عرفها مشروع ”الحسيمة منارة المتوسط”، أمر جلالة الملك محمد السادس مباشرة بعد رفع التقرير له بإعفاء المسؤولين الحكوميين أو التابعين لمؤسسات الدولة بمختلف اختصاصاتها عن التأخر في تنفيذ تلك المشاريع أو تجميدها، الذي كان قد أمره شخصيًا رئيس المجلس إدريس جطو، الوزير الأول السابق بين 2002 و2007، والمعين من طرف الملك للقيام بهذه المهام، بفتح التحقيق فيه بعد أن كان قد أعطى انطلاقته سنة 2015 دون أن يشهد ذلك أي تطور أو تقدم كبير في الإنجاز، وهو الأمر الذي استحسنه الشارع المغربي ورأى فيه انطلاقة حقيقية لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه دستوريا في الفصل الأول، معتبرًا ذلك ”فتحًا للشهية” من أجل التطلع لمستقبل أكثر وضوحًا، سيجعلنا خلال السنوات المقبلة نسير بخطى ثابتة نحو بناء مسار ديمقراطي.

بالرغم من كل هاته الإيجابيات يبقى عدم الإفراج عن معتقلي الحراك حاجزًا أمام ما تسعى له المؤسسة الملكية من أجل خلق دينامية جديدة أساسها بناء مغرب متطور هدفه خدمة المواطن والسهر على تلبية حاجياته الحياتية الأساسية، وإعطاء الأفراد الحق في التعبير عن رأيهم بكل حرية، فلا يقبل العقل أن يسجن من طالبوا بحقوق أظهر هذا التقرير مشروعيتها وصحتها، وهو ما يخلق تطابقًا بين مطالب الحراك الريفي ومخرجات هذا التحقيق، وهنا تطرح عديد التساؤلات يبقى أبرزها، ما أهمية هذه الإعفاءات إن لم تنصف نشطاء الحراك الذين كانوا سباقين للمطالبة بالقيام بتلك الإصلاحات والمشاريع التي تماطلت أيدي المسؤولين المعفيين في تطبيقها على أرض الواقع؟ وهل هذه الخطوات مجرد إخماد للرماد الذي خلفه الحراك، وستعود بعده المياه إلى منبعها غير الصافي؟

تتزايد التخمينات وترتفع التوقعات في كلا الاتجاهين، الإيجابي منها أو السلبي حول ما بعد هذا التقرير، فهذا الزلزال الذي أنهى الحياة السياسية لعدة وجوه بارزة داخل المعترك السياسي الوطني خلال السنوات الأخيرة وبعضهم كان وزراء سيادة ولم يكن أحد يظن أن يطالهم أمر كهذا، لكن “الحركة التكتونية السياسية” قد تكون أجبرت الدولة على هذا التغيير، أو أنها في الغالب تسعى لتغيير جذري حقيقي وطي صفحة السواد الذي عرفه الشارع خلال السنتين الأخيرتين بتظاهر الناس في مختلف جهات ربوع المملكة، إما رافضين لقرار ما، أو مطالبين بحق مشروع، إضافة لكون المغرب يشهد طفرة نوعية على مستوى أصعدة عدة منذ تولي جلالة الملك محمد السادس للحكم سنة 1999، كإطلاقه للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والمحققة لغاياتها المتمثلة في محاربة الهشاشة الاجتماعية وتحسين الوضع الاقتصادي، وهو ما قد نربطه بعودة الدولة إلى مسارها الصحيح الذي نهجته منذ سنوات والذي ربما تراجعت عنه شيئًا ما بعد سقوط آخر أوراق ”الخريف العربي”، لكن الخطوة الأخيرة أعادت الأمل في استكمال الأوراش المفتوحة للنهوض بالبلد، وأعطت الضوء الأخضر للمواطن ضمنيًا للمساهمة في محاربة الفساد الإداري وأمثاله، الذي يكسر ما تبنيه السواعد المغربية وتحققه الدبلوماسية المغربية خارجيًا سعيًا لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية واجتماعية، ويبقى كمثال على ذلك انفتاح المغرب على قارته الإفريقية في إطار تشاركي يعتمد على ”رابح-رابح” يضمن استفادة جميع الأطراف، وهو ما جعل المغرب حاليًا بلدًا رائدًا على المستوى الإفريقي، لكن هذا الأمر قد يؤثر عليه الجمود النسبي الأخير في حركة التنمية المحلية؛ لأنه لا يمكن أن تكون قاريًا متسودًا ومحليًا تعاني، وغير قادر على تحقيق أمور جد بسيطة، نسبة لما حققته الدولة على جميع الأصعدة.

يبدو أن الطريق صارت أمام الدولة مرسومة لإصلاح ما قد يسميه البعض بأخطاء، تمثلت في عدم تجاوبها مع المطالب في أوانها، وانتظار وقت طويل للنظر فيها، وأن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي، لكن لا يجب أن نقف عند هذه الخطوة، بل وجب تجاوزها بدرجات، أعلاها وأهمها الإفراج عن معتقلي الحراك، والتسريع بإنهاء المشاريع التي تم تعطيلها وتشديد الرقابة حتى لا نقع في نفس المشاكل مرة ثانية، ونضطر لتبذير مزيد من الوقت في أمور وجب عدم الوقوف عندها كثيرًا، وبدلًا عن ذلك الاشتغال على أعمال جديدة والتقدم في أخرى تعود بالنفع على جميع المواطنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد