أما قبل،

تحمل لغتنا العربية الجميلة الكثير من الأمثال الشعبية القديمة المعبرة عن مواقف حدثت مع أسلافنا قديمًا، وإن كانت هذه الأمثال هي ترجمة لمواقف بعينها قد حدثت بالفعل في زمن من الأزمان السابقة، فإن العرب تُسقط هذه الأمثال على مواقف وأحداث تجد أن تلك الأمثال بمعانيها ومضامينها تنطبق على هذه المواقف والأحداث، وتعبر عنها بطريقة أو بأخرى، حتى وإن كانت الأحداث والمواقف الحقيقية والتي قيلت فيها تلك الأمثال قديمًا تختلف تمامًا عن طبيعة المواقف والأحداث التي يربطون هذه الأمثال بها في زمان ومكان لاحق.

وأما فيما يتعلق بالمثل القائل «بين حَانا ومَانا ضاعَتْ لِحَانا»، حقيقته وطبيعته، فالقصة تدور كالتالي: يُقال إنه في قديم الزمان كان هناك رجلٌ متزوج من امرأتين، إحداهما تُمسى «حانا»، وهي صغيرة في السن لا يتجاوز عمرها العشرين سنة، بخلاف «مانا» التي كانت امرأة عجوزًا كبيرة بالسن، فكان هذا الرجل كلما دخل عند «حانا» غرفتها ومازحها أمسكت بلحيته وانتزعت شعرة بيضاء منها ثم قالت: «يصعب علي أن أرى الشعر الأبيض يلعب بهذه اللحية الجميلة، وأنت ما زلت شابًّا»، وعندما يذهب لغرفة «مانا» أمسكت الأخرى بلحيته وانتزعت شعرةً سوداء وقالت: «يكدرني أن أرى شعرًا أسود بلحيتك وأنت رجل كبير السن جليل القدر»، وبقي على هذه الحال مدةً من الزمن، حتى نظر إلى نفسه يوًما في المرآة وأفزعه أنه فقد شعرًا كثيرًا من لحيته وظهرت ناقصة، فأمسك لحيته بغضب وقال المقولة الشهيرة: «بين حانا ومانا ضاعت لحانا»، وهذا ما كان قديمًا.

أما بعد،

لا تخلو أي دولة عربية من «حانا ومانا»، سواء كانت حانا ومانا تعبر عن حكومتين تتنافس كل منهما على إدارة أمور دولة واحدة، والتحكم بنظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي… إلخ، كما هي الحال في فلسطين، أو حكومة ومعارضة يسعى كل منهما لإيقاع الآخر في شر أعماله وإطاحته، كما هي الحال في لبنان، ومصر، واليمن وغيرهم، أو الجيش الوطني (بمختلف مسمياته التابع لنظام الدولة) ومنظمات عسكرية معارضة أخرى في البلد نفسه، كما هي الحال في العراق، وليبيا، وسوريا وغيرهم، وفي جميع الحالات السابقة يقبع الشعب في المنتصف بين هذا وذاك، يعاني الأمرَّين نتيجة الخلاف الذي لا ينتهي بينهما، وبلا حول له ولا قوة. الشعب يدفع الثمن من جوع، وخوف، وفقر، وقهر، وعدم استقرار، بل قد تصل به الحال إلى التشرد والتشتت، وكثيرًا من الأحيان الموت.

وهذا ما نشاهده جميعًا، بل نعيشه جميعًا في أوطاننا العربية أيًّا كانت مراميها على الخريطة، هجرة هنا وموت هناك وتشرد وأشكال متعددة من الاضطهاد اللامتناهي للحقوق والحاجات، وسلب لكل مقومات الحياة الأساسية بشتى أشكالها وأنواعها ومستوياتها دون قيد أو رقابه أو مساءلة، ودون حتى وجود أسباب حقيقية دفعت إلى الوصول لما قد وصلنا إليه اليوم، والذي هو للأسف أفضل بكثير مما سنكون عليه في الغد (وهذا المتوقع).

«حانا ومانا»، أشكال متعددة وصور مختلفة، وجميعها يعمل من أجل تحقيق هدف واحد وغاية واحدة، والغريب أنه رغم مُعاناة لِحانا مما قد سببه كل من حانا ومانا من هم وغم ووجع، ورغم أن جميعنا دون استثناء يردد هذا المثل القائل «بين حانا ومانا ضاعت لحانا»، فإننا جميعًا لا نحرك ساكنًا ولن نُحرك! لا أعلم حقيقة إلى أي من مستويات القهر والوجع والتشتت والضياع نريد أن نصل لكي نستيقظ ونواجه «حانا ومانا»؟ أم أننا قد ارتضينا أن تكون لحانا أرضًا خصبة لحوافر «حانا ومانا» تجول فيها متى تشاء، وكيفما تشاء، وبالطريقة التي تشاء؟

«هذا وما تزال أمتي العربية تردد الأمثال دون تمعن أو استيعاب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد