(إذا أردتَ أنْ تُصلحَ قوامَ أُمة، فضَعْ سهامَك على مَنْ هُم أصغرها سنًّا)، في ظل ما نُعايشه من ممارسات العودة إلى الوراء ومحاولات الطمس التي قد تحول إلى الانحطاط، وإخراج الوعي والفكر الهادف والمضي قدمًا في شتى المجالات من بقعةِ الضوء،أخذتُ أنظر في تراتيب مَنْ يملك السطوة في سحبِ الهدف السامي من تحت أطياف الضوء، ومَن له أن يُعيده أمام العدسة؟ وجدتُ أننا لم نُحسن تراتيب الأسباب، نتجاهل طليعة الأمر ألا وهو أطفالنا، غير ملتفتين إلى أنّْ زمام الأمر سيعود لهم، فهم قطوفُ الأمل، غِراس المستقبل، قُرَّة العين، بسواعدِهم تنهضُ الشُّعوب، تقومُ الحضارات وتُهزَم جيوش، فالطفلُ لم يبق طفلًا!

مَن المسؤول؟

فردًا كُنتَ أَمْ جماعةً مُمثلة بمؤسسةِ تنشئة، تدريجيًا مِن كونِك أبْا أو أُما، مُدَرِّسا أو مُرشِّدا، ومُوجِّها إلى أسرةٍ، ثُمَّ مُجتمع، جميعُنا نقفُ أَمامَ مسؤولية جلية في تنميةٍ بشريةٍ وتوجيه تربوي لشريحةٍ كاملةٍ من المجتمعِ، مسؤولين عن نتاجِها وما سيترتبُ على كيانِ وُجودهِا يومًا.

المفاتيح السبعة

الأطفالُ عمادٌ لبوابةِ مستقبل، ستفتحُ على مصرعيِها في وقت يكونوا فيه هم الأسياد و المُلّاك، حيث تسيير الكون، وعلى  عاتِقِهم فمسارُ القضايا بشتى أنواعِها سيُقلب، ومن هُنا يستلزمُ الأمرُ لسبعةٍ مِن المفاتيحِ للتنشئة الفعّالة والإعداد القويم:

 إنَّ الطفلَ كيانٌ إنسانيٌ سليم وليس حالةٌ تربوية منحرفة، حيث قال (صلى الله عليه وسلم): ما مِنْ مولودٌ إلا يولدُ على الفطرة، هذا التصوّر يتطلب منا التزامٌ عمليٌ تربوّي ثابت قائم على الإنضاجِ والتنميةِ لما منح اللهُ المولودَ من قُدراتٍ أوليةٍ كفيلة بتأهيلِه لكي يسير على هدى وصواب، لا يتطلب تقويمٌ وتسوية اعتقادًا منّا بانحرافِه، فلا وطن ولا دين ولا دنيا ولا آخرة يُوَفَّى حقه من فطرة خُلقنا عليها.

 اللمسةُ الإنسانية، والكلمةُ الطيبة، هما عنوانُ تسطيرُ الصفحةُ البيضاءُ التي نجدُ عليها أطفالنُا، ومنها نبنى قيم وأخلاق، هوية وانتماء، حب وعطاء، واجب وحق، وطن وتضحيات، ومن هنا نُقيمُ أُمم، فكلّ طفلٌ لامستَ قَلْبَهُ أَصَبْت هواه. 

أطفالنُا ليس نسخٌ مصغرةٌ عنّا، إنَّ ذلك إيمانٌ منّا بحقهِ في مخالفةِ ما وَجَدَنا عليه من أمورٍ لها شرعية التغير، كونك طبيب لا يعني أن يكونَ طفلُك طبيب! اصنع له عالمًا من الحريةِ، فالعبيدُ لا يصنعون حضارات.

كلُّ رغباتُ الطفلِ مشروعة، حتى وَإِنْ أخطأ في التعبيرِ عنها، ومن هنا يأتي دورُنا لكي نوازن بين سلوكِه الخاطىء الذي لا يتطلب منّا التركيزُ بقدرِ ما يتطلبه معرفتنا إلى أصلِ السلوكِ الذي مارسه ودوافعه، محاولةٌ منّا لإشباعِ تلك الرغبة في الاستكشافِ، وتفاديا لما قد يصيبه من اضطرابٍ لتعطّشه لمعرفةِ تلك الحاجيات، لذا فإنّ اضطرابَ السلوكُ لا يعني أنّه انحرف، بل يعني أننا تجاهلنا حاجياته المشروعة.

_ صغارُنا ما بين الخيال والواقع،يحتاج الطفلُ عالمًا واسعًا من الخيالِ حتى يصقل شخصية ذاتية محكومة بقيمٍ ومبادىء يرى نفسَهُ فيها، ولكنه يُحاط بواقعٍ مُخالف، دورنا يأتي بوضعِ الطفل على الحدِ الفاصلِ، فعلينا محاورة نتاجُ خيالِ أطفالنا من رواياتٍ وقَصص، فالخيالُ بداية تكوين ذات.

كرامتُنا غير مستهدفة من أطفالِنا، هذا الإدراك سيجعلنا أصحابَ ردّ فعل سويّ على أفعالِهم، العناد وعدم الاستجابة ما هو إلا محاولة إقناع لنفسِه أنّه لم يعد جزءًا من جسدِ أمه، وأنَّ حبلَه السُّري قد انقطع.. وبهذا فهو يستهدفُ ويختبرُ مدى استقلاليته لا كرامتك!

إنَّ تنميةَ طفل كما لو أنّك تزرعُ ساق بامبو، البامبو الذي يحتاجُ إلى أربعةِ سنوات من العنايةِ يكون خلالهم في سُباتٍ لم ينموْ قطّ ولكنه لم يلبثْ أنْ يَبْلُغَ الأربعة سنوات يأخذُ بالنموِ إلى ارتفاعاتٍ هائلةٍفي فتراتٍ وجيزةٍ، وذلك ما يحتاجه الطفل.. يقول المثل الصيني: (إذا أردتَ أنْ تعرفَ مستقبل الأمة، انظر ما يقرأ أطفالها)، مكتباتُنا عليها أنْ تنضحِ بما يحتاجونه أطفالنا، تدريجيًا من السُّباتِ الطفولي ووصولًا إلى بناءِ مستقبل وخلق كيان وإعادة أمجاد.

إنّ مُجرياتَ الأُمورِ تختلفُ مِنْ حين لآخر، تأخذُ الشكليات ذاتها ولكنَّ المضمون ينحرف، أفلام الكرتون سُلبت ماهيتها، أصبحت اهتماماتُ طفلِنا تتشتت في محاولات مجاراة عمياء إلى التكنولوجيا تحول به إلى وضع حدود وسدود ما بينه وبين ما تحتاجه طفولته، وبهذا تُسلب الطفولة، ومَنْ لم يَعشْ طفولة لا يَعشْ شبابًا ولا شيخوخة، ومَنْ لم يُدركْ تغَّيُرات مراحل عمره وموجِّبات تقلُّباتها، لم يَكنْ له أنّ يُوَّثقَ عُهودًا أو يَجدَ مفقودًا أو يُعيدَ مسلوبًا.

ابدأ بطفل

هناك حكمة صينية تقول: (إذا أردت أن تخطط لعام، فازرع أرزا، وإذا أردت أن تخطط لقرن، فازرع شجرة، وإذا أردت أن تخطط لحياة كاملة فازرع طفلًا وعلمه). لكي نسعدَ بالجني علينا إحسان الغِراس، حتى يأتي موسم القطاف لِما زرعنا في نفوسِ أطفالِنا من أفكارٍ أو أهدافٍ لها أنْ تُصلحَ قوام، عائدًا علينا بأفضلِ الأحوال.

لا المجتمع عَادَ يحملُ سوء التنمية، ولا البشرية عادت تحمل تجاهل المسؤولية، ابدأ بطفل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد