نظرة مغايرة في حديث النبي محمد (ص)

تنبيه: ما جاء في هذا المقال يلزمني أنا وحدي، أقابل به الله وحدي، وأنا مقتنع به اقتناعا اطمئن به قلبي (عقلي) إذا كنت تعارضني فلا تغضب، ولا تفزع، ولا تسب، ولا تتهم، فلست أدعو لدين جديد، ولا عقيدة جديدة، ولست أدعوك حتى لأن تقتنع بما أكتب.

الحديث:

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ.

هذا الحديث كثيرًا ما فكرت فيه، وتمعنت فيه، وبحكم توسعي في القراءة في مجالات اللغة، وخاصة ما يسمى بعلم المعاجم، وارتباط الكلمات ببعضها وتصاريفها واصطلاحاتها وحدودها، كثيرًا ما وجدت أشياء توقف عندها عقلي عندما رفضتها فطرتي.

كلام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (إن كان المتن كما نطقه النبي)، وقوله تصافحوا لربما يكون عن المصافحة، وربما قصد به وضع الكف على الكف كما اشتهر عند من فسر هذا الحديث، باعتبار مصدر المصافحة على وزن مفاعلة من فعل صافح على وزن فاعل، وهي عملية تواصلية بشرية تعتبر ثقافية بحتة، فأغلب الشعوب كافرة ومسلمة تعرف المصافحة في مفهومها المشهور عند العرب، أو ما اشتهر عند مفسري الحديث، والمصافحة معروفة حتى في زمن الجاهلية.

المصافحة على وزن مفاعلة كذلك، من جذر وأصل صفح، ولهذا الجذر معاني كثيرة متنوعة في اللغة العربية، وقد اشتهر في تفسير هذا الحديث معنى واحد وظيفي، وصفي لحركة جسدية، وهي التشابك بالكفوف، ومعنى الحديث يجعل من هذا الفعل الثقافي التواصلي الميكانيكي سببًا في ذهاب الغل بين الناس وانتشار المحبة بينهم، ولكن الواقع يتعارض مع تقرير الحديث، إذ إن تشابك الكفوف هو في الأصل عرف اجتماعي، أصبح فرضًا ثقافيًا، يدخل في مجالات التواصل المختلفة المستويات، وليس فعلًا للتودد والتسامح، فكثيرًا ما يتصافح الأعداء والكارهون لبعضهم، حتى أصبحت المصافحة فعلًا تمظهريًا صوريًا لا فعلًا وجدانيًا في أغلب الحالات، بل عمّ ذلك وطمّ حتى أصبح الحديث كما فهمناه لا يلبي شيئًا، بل يصبح حديث النبي الذي لا ينطق عن الهوى مجرد كلام بشري، يصيب ويخطئ ويتقادم وتترهل معانيه بمرور الزمن، وهذا في حد ذاته اتهام للنبي في نبوته ورسوليته، فالحديث الصحيح متنًا وسندًا لا يجب أن تتقادم معانيه، ولا يجب أن يتعارض مع القرآن، وأي تعارض فذلك لقصور عقولنا وجهلنا، أو أن الحديث ليس بصحيح.

إن النبي الكريم لا يتكلم إلا بما يوافق القرآن، وفي القرآن جاءت كلمات من جذر صفح، كلها تفيد معاني: العفو، والمسامحة، والتجاوز، والإعراض عن ذنوب الآخرين، وأغلبها تدعو للصفح، حتى يذهب الغل وتنتشر المحبة بين الناس.

إذا كان جذر صفح في القرآن الكريم استعمل بمعنى العفو على الأغلب، كجالب للمحبة وتبدد الأحقاد وتكسر أغلال النفس فيذهب الغلّ.

اقرأ كلام رب العالمين:

الحجر الآية 85: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ).

النور 22: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

التغابن – الآية 14: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ).

وفي الحديث لم ترد كلمة مصافحة، بل جاءت صيغة االأمر تصافحوا على وزن تفاعلو، والتي تفيد الأمر مع الترغيب والتشديد على الكثرة والترديد والمبادلة، إذ إن هناك صيغة أمر أخرى هي اصفحوا، وهي صيغة أمر لا تكون إلا في جهة واحدة.

فمثلًا نقول: اضربوا، فالأمر هنا يفيد عملية الضرب من جهة واحدة، أما صيغة تضاربوا فتفيد بأن الضرب متبادل وهو من كل الجهات الفاعلة.

الحديث يحث على إصلاح ذات البين، ولا يكون ذلك إلا بتبادل العفو أولًا، وهذا هو الأصل في معنى الحديث الذي يوافق عشرات من آيات القرآن.

أما تشابك الأيدي فهذا في رأيي جهل بمرامي الأحاديث، وتحديد لمقاصده، وتبسيط للغته، ويبقى تشابك الأيدي لا دخل له أبدًا في إصلاح ذات البين في الواقع، ويبقى مجرد حركة لا دخل لها في المشروع النبوي في إصلاح البشرية وإعطائها أدوات التعايش والتسامح.

ولا يحصر تلك المعاني السامية في فعل ثانوي عرفته البشرية قبله وستعرفه بعده وسيتغير في صوره الثقافية كثيرًا ويتحور، وربما تتغير الغاية منه بتغير الثقافات.

الحديث جاء كوصفة نبوية كاملة، فيها دواء قوي وفعال ضد مرض التنافر الإجتماعي والبغض والحقد والغل الذي يصيب الناس، فيعكر ذات بينهم، ويفرقهم ويباعدهم؛ مما يؤثر على تماسك المجتمع ووحدته.

فيأمرنا النبي بأن نتصافح أي نتبادل العفو، ونتسامح، ونغفر لبعضنا البعض ذنوبنا في حق أنفسنا، فيبدأ التقارب والترابط بتبادل معاني العفو بيننا، ولا يجب أن تكون من جهة واحدة فقط، أي من جهة المظلوم في اتجاه الظالم، بل عملية تبادل للصفح والعفو، فالظالم يطلبه ويصفح عما دفعه للظلم أي يعرض عن كل ما كان سببًا لظلمه، والمظلوم يصفه ويعفو بأن يتقبل ظالمه بقبول حسن وأن يعرض عن ذنبه وينساه، وتكون عملية تبادل إنسانية رائعة. قد تأخذ وقتًا من تبادل للكلام والأفكار، وطرح للأسباب والحجج والتبريرات. فتنكسر أغلال الغل التي تمنعنا عن بعضنا، وتشدنا إلى قاع التباعد والتباغض.

ثم نُثبّت الصلح والمحبة بتبادل أسباب الهداية والهدى وليس الهدايا كما درج على فهم الحديث دعاتنا، فلكي تفرغ صدورنا المشحونة من كل ما يملأها من أحاسيس كره وتذمر وتتلاشى الشحناء وتذهب، يجب عليما تذكير بعضنا وتبادل النصح والعمل على هداية بعضنا البعض إلى طريق الهداية والصراط المستقيم، وليس تبادل الأغراض، والذي أصبح عادة اليوم تكاد تكون ضريبة ثقيلة جعلها الناس اليوم طريقة للتمظهر الاجتماعي، وأمر تهادوا في الحديث، لا بد من إرجاعه لمصدر هداية وليس هدية، والمعنى يصبح أعمق هنا، فيا لها من هدية أن توفر لأخيك أسبابًا لهدايته للطريق المستقيم.

وهكذا تكتمل صورة الحديث النبوي القيمية الجوهرية، والتي تعالج أهم جانب من جوانب العلاقات البشرية الإنسانية، وتبتعد عن الشكلانية الميكانيكية التي حصر فيها معنى الحديث حتى أصبح بلا معنى.

الصفح والهدي، لا تشابك الكفوف والتراشق بالأغراض.

وفي الأخير، ثبت عندي ورسخ في عقلي أن ما قصده النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – بكلمة تصافحوا هو تبادل أسباب العفو والتسامح، وليس تشابك الأيدي الذي أصبح لا يعني شيئًا، ولا يكون أبدًا سببًا مباشرًا في إصلاح ذات البين، وربما تغير وتحور، وربما تركه المجتمع وألغاه لأسباب أو مسببات.

هذا وصلى الله على النبي الكريم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد