في أحد خطابات الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر تحدث عن محاولته للتوافق مع جماعة الإخوان المسلمين ولتهدئة الاشتباكات بين الجماعة وبين السياسات المصرية والمجتمع المصري، وفي خضم حوار جمال عبد الناصر مع مرشد الجماعة حينها حسن الهضيبي، أخبره الهضيبي أن أول مطالبه هي تحجيب كل امرأة مصرية، وتعليبها في منزِلها، وألا تشهد ميدان الحياة العملية، وألا تنخرط في العمل والشوارع والمناصب وما إلى ذلك.

رد عليه جمال عبد الناصر بالرفض بسبب أن المرأة حين تتعرض لظروف الحياة القاسية التي تؤول بِها إلى أزمات اقتصادية مِثل موت زوجها وانقطاع الأموال على سبيل المثال، فحينها وفي كثير من الأحيان تتجه المرأة إلى الدعارة، وإلى بيع نفسها وجسدها. أما في ظل توفير حياة عملية، وفي ظل توفير ظروف سوية تتيح للمرأة الانخراط في ميدان العمل، فحينها ستكون مؤهلة للعمل وكسب قوت شريف عوضًا عن أن تُسحل في عوالم الدعارة والتجارة الجنسية، ومن هذا المنطلق دعنا نتحدث قليلًا عن الدعارة والتجارة الجنسية، وعما إذا كانت الدعارة حرية شخصية أم جريمة يجب وقفها؟

الدعارة أو التجارة الجنسية هي عبارة عن بيع متبادل، عبارة عن خدمات جنسية تُختزل في هيئة سلعة، تُقدم في مقابل قدر معين من المال، فمن جانب يقول البعض إنها حرية بين البائع والمشتري. البائع يرغب في بيع سلعته، والمشتري يرغب في شراء تلك السلعة، ولكن من هذا الرأي ينتج الجانب الآخر المعارض للدعارة – وهو الرأي الذي أتبناه أنا – فأول اعتراض لدينا هنا هو تسليع الجنس من الأساس، وجعله كسلعة لها سوقها ولها قيمتها.

فالدعارة تعامل جسد المرأة على أنه مُنتج يباع ويشتري وإن عفا عليه الزمان يقل مقداره، وإن حسنت حالته تزداد قيمته. وهذا عوضًا عن أنه يقلل من قيمة الجنس المجردة التي تختص بطرفين، وتكون بينهم علاقة خام لا تشوبها الشوائب؛ فعن طريق هذا التسليع تضع الدعارة ثمنًا للقيم الإنسانية التي لا تقدر بثمن؛ مما يخالف المسار الإنساني الذي يتجه نحو حماية القيم الإنسانية ـ مِثل الحب، والكرامة، والشجاعة، والجنس ـ وتعزيز مكانتها يومًا بعد يوم، أما الاعتراض الثاني لدينا فهو اعتراض على الافتراض القائل بأن المرأة تمارس الدعارة بمحض إرادتها وبِرضاها، فهذا الافتراض ينهار أمام شهادة ميا خليفة ممثلة الأفلام الإباحية السابقة مع برنامج «Hard talk» على محطة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»؛ فلقد تحدثت ميا عن مدى القمع الحاصل في مجال الأفلام الإباحية، وأدلت بحوارات لها مع العديد من الفتيات المُجبريِن على نفس المجال، وعن تجاربهم المماثلة لتجربة ميا.

فلقد قسمت ميا العمل في الأفلام الإباحية والدعارة إلى جزئين: أول جزء هو إجبار الظروف الاقتصادية والحياتية المريرة الفتاة على العمل في هذا المجال، ومن ثم تجد الفتاة نفسها في حالة من الاندثار التام لذاتها؛ فتنتهي أحلامها وحياتها السوية والكريمة التي ربما كانت لتحظى بِها لو لم تضطر إلى العمل في هذا المجال، ذلك فضلًا عن نظرات كل فرد في المجتمع للممثلة الإباحية؛ فكما أدلت ميا وقالت: «حين أخرج للعامة، فإن الجميع يحدق في لدرجة شعوري بأن الناس لديهم القدرة على رؤيتي من دون ملابسي، وهذا الأمر يسبب لي خجلًا عميقًا، كما يشعرني بأني فقدت كل حقوقي في الخصوصية».

وذلك على الرغم من أن ميا عملت في الأفلام الإباحية لمدة ثلاثة أشهر فقط خلال عام 2015.

ثلاثة أشهر انخراط في المجال الإباحي كانت جديرة بتدمير حياتها تمامًا، وبالطبع أنا لا أسوق للأخلاق الاجتماعية التي يحددها رأي الأغلبية، فأنا لم أقصد القول بأن الدعارة خطأ بسبب نظرات المجتمع، ولكني أقول إن نظرات المجتمع تأتي كالقشة التي قصمت ظهر البعير، فبجانب معاناة المرأة واضطرارها للعمل في هذا المجال قهرًا تأتي نظرات المجتمع لتهدم ما تبقى منها، من استقلال وكرامة.

والنوع الثاني التي تحدثت عنه ميا هو الإجبار المباشر من شركة الإنتاج للفتاة، وذلك عن طريق توقيع المرأة على عقد عمل لا تدري حيثياته بشكل واضح، ومن ثم يتضح أنه عقد عمل في الأفلام الإباحية أو الدعارة، ومن ثم تتحول حياة الفتاة إلى «جحيم» على حد تعبير ميا، ولكن قد يتساءل أحدهم ويقول: «ولكن هل حديث ميا، وكَون أن بعض الفتيات مجبرات، يعني حظر الدعارة تمامًا؟ ألا توجد فتاة ترغب بشدة من داخلها وبمحض إرادتها أن تعمل في الإباحية أو الدعارة؟»

على افتراض وجود فتاة بتلك المواصفات؛ فتاة ترغب في الانخراط في المجال الإباحي والدعارة بمحض إرادتها، فهذا أيضًا لا يخلو من الاعتراض الأول، ألا وهو الاعتراض على تسليع جسد المرأة وتسليع الجنس، وذلك بغض النظر عن إدراك المرأة لهذا التسليع أم لا؛ فالجريمة تظل جريمة بغض النظر عن إدراك الضحية لها، أما ثاني إشكالية تقابلنا هنا هي أن العقوبات والمحظورات تطبق وفقًا لمدى تضرر الأغلبية، وليس الأقلية. فنحن لا يمكننا تقنين الدعارة ـ أي السماح بِها ـ لمجرد أن الأقلية من الفتيات أردن ذلك، بينما نتغاضى عن آلاف الفتيات المتضررات من هذا التقنين أو هذا السماح.

حنين حسام تحت مجهر الدعارة

والآن وبعد الحديث عن الدعارة وأبعادها، دعنا نتحدث عن قضية حنين حسام مع تطبيق «لايكي». تطبيق «لايكي» هو تطبيق ترفيهي لعمل الفيديوهات القصيرة والفكاهية. وذلك وفقًا لتعريف كل المواقع تقريبًا، ولكن وفقًا لما قالته النيابة العامة في بيانها الرسمي، ولما أدلت بِه المصادر الأمنية لجريدة الدستور، فتطبيق «لايكي» هو تطبيق مشبوه، ووفقًا لتصريحات كل مِن النيابة العامة والمصادر الأمنية لصحيفة «الدستور» فحنين أدخلت حوالي ألفي فتاة إلى تطبيق «لايكي»، وكانت نِسبتها في ذلك حوالي 40 ألف دولار.

وأضافت التحريات أن قضية حنين تعدت مرحلة الترويج لفيديوهات خليعة، أو الانخراط في الدعارة، بل وصلت القضية إلى كَون حنين متهمة بكونها قوادة مؤسسة للدعارة، وليست منخرطة فيها فحسب؛ فعمل الفتيات لم يندرج أسفل الفديوهات القصيرة، بل كان يتمحور حول معاملات جنسية واضحة.

كما أن حنين كانت تعلم طبيعة هذا العمل جيدًا، وتفاوضت كثيرًا في نِسبة عمولتها مع الشركة المؤسسة للتطبيق، والتي مقرها سنغافورة.

وذلك بالإضافة إلى أن حنين كانت عضوة في جروبات على تطبيق «واتساب»، والتي من خلالها كانت تنظم أعمال الفتيات اللاتي جذبتهن؛ ومن ضِمنها جروب يحمل عنوان «سريرك مَسرَحَك»، واعترفت حنين بوجودها داخل هذا الجروب، وبناءً على هذه الأدلة وغيرها من الأدلة فلقد جرى حصر اتفاقات جنسية تطابق تعريف الدعارة، وتعريف الإتجار بالبشر، بحيث كانت هناك اتفاقات تنص على ممارسات جنسية بمقابل قدر معين من المال، فبالتالي ووفقًا لهذه التحريات، ووفقًا لتعريف الدعارة السابق مناقشته، ومناقشة مدى صحته، فحنين حسام أجرمت لمتاجرتها بقيمة إنسانية مجردة، ألا وهي الجنس، ولقد استغلت أيضًا الأزمة الاقتصادية التي مرت بِها الدولة المصرية، والعالم كُله، مجبِرة العديد من الفتيات ـ بشكل غير مباشر ـ على العمل معها والمتاجرة بأجسامهن.

قرار الدولة في ظلال العدالة

على الرغم من الاتفاق على كَون الدعارة أمرًا تجاريًا سيئًا يتعدى على القيم الإنسانية، وعلى الرغم من تجاوز حُكم الدولة بإدانة حنين والاتفاق على خطئها، ولكن هل كان تعامل الدولة مع الموقف تعاملًا مِثاليًا؟

في هذا الشأن لدينا نقطتان وجب الحديث عنهما. أول نقطة هي: لماذا لم تزل الدولة المصرية تسمح بوجود التطبيق في مِصر، على الرغم من وصفه بالتطبيق «المشبوه» وفقًا للمصادر الأمنية ولبيان النيابة العامة؟ هل الدولة لا تملك القدرة الكافية لإتخاذ هذا الإجراء بالحجب؟

بالطبع لا؛ فهذه هي نفس الدولة التي أقبلت على حجب مئات المواقع في مِصر بشكل قهري لمجرد كونها تعادي السياسات المصرية.

فلماذا لم تتبع الدولة المصرية نفس الإجراءات حين اعتدت حنين على «قيم الأسرة المصري»؟ ــ بغض النظر عن أن الدولة لم تضع تعريفًا واضحًا لقيم الأسرة المصرية، ومع ذلك فلم يزل هناك مئات المصريين يلقون أحكامًا بالحبس المشدد للتعدي على هذه القيم الضبابية تمامًا! ولكننا لسنا بصدد هذا الحديث عن تلك المسألة في هذه المقالة؛ لأن تهمة الاعتداء على قيم الأسرة المصرية سقطت عن حنين.

ولكني تحدثت عن القيم المصرية باعتبار الدعارة، والإتجار بالبشر تعديًا على القيم الإنسانية عمومًا، وليست المصرية فقط، إن كان التطبيق سيئًا ومشبوهًا كما وصفته التحريات، فلماذا لم تبادر الدولة بحجبه في المقام الأول حتى تنهي منبع الدعارة والإتجار من البداية، عوضًا عن محاربة النتائج. عوضًا عن محاربة حنين وأمثالها؟

وثاني نقطة لدينا هي هل مدة 10 سنوات مشدد مدة عادلة وتليق بما فعلته حنين؟ أنا لن أتحدث عن مواقف الدولة في التعامل، وتقاعسها في كثير من الأحيان عن قضايا اجتماعية كقضية فندق «فيرمونت».

ولكن هل تعتقد أنه بعد حبس حنين مدة 10 سنوات حبسًا مشددًا ستخرج لنا إنسانة سوية تغمرها البهجة والسعادة؟ فعوضًا عما ستتعرض له داخل السجن مِن إنتهاكات واضطهادات عديدة، فحين تخرج حنين بعد 10 سنوات هل تعتقد أنها ستجد عملًا كريمًا يؤمن ما تبقى من عزتها وذاتها وكرامتها؟ أم انها ستعود لنقطة البداية وتتجه إلى مكاسب فاسدة، مِثل الدعارة التي حبستها الدولة من الأساس بسببها؟

لا أدرى إن كان هذا هو السيناريو القادم، ولكن دَعنا ننتظر ونرى، كما نرى الفساد والانتهاكات والتضاربات الأخلاقية في المجتمع المصري يومًا تلو الآخر بلا تقويم أو رأي يُعقل. دَعنا ننتظر ونرى المجتمع يغرق في تناقضاته، بلا أية مبادرات فِكرية منا. دعنا نشاهد المجتمع ينهار يومًا تلو الآخر، ثم نأتي على أنقاضه لنتساءل بسذاجة عن سبب الانهيار!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد