قابيل وهابيل من أوائل القصص في تاريخ البشرية، وتتكرر باختلافات بسيطة في ديانات عديدة، كلها تسرد خطيئة القتل الأولي في تاريخ البشرية، لطالما اعتبر القتل أكثر الجرائم بشاعة، ويحتل المرتبة الأولى في الإثم الأخلاقي، والإدانة من أغلب البشر؛ لكونه الشر الأعظم، في هذا المقال سنحاول إلقاء الضوء على القتل من منظور مختلف، وطرح بعض الأسئلة أكثر، منها تقديم إجابات، متناولًا لذلك شخصية «هانيبال ليكتر» كحالة فريدة لقاتل.

لمحاولة فهم أعمق لمفهوم الشر، يمكننا أخذ القتل كمثال للشر، ومحاولة تحديد العوامل التي تجعله شرًا، ولتحقيق ذلك نتاول شخصية هانيبال بالتشريح، فإن لم تكن من متابعي المسلسل فحاول تصور شخصيته بالمعطيات التالية.

لم يكن هانيبال قاتلًا مملوءًا بالغضب تجاه المجتمع، ولم يكن يقتل بعينين يطل الشر منهما، بل بكل بساطه كان خاليًا من كل إحساس بالشفقه؛ وذلك ليس لكونه ساخطًا على البشر كارهًا لهم، وإنما كان يشعر بالانعزال والانفصال التام عن جنس البشر.

فكان مولده في ملجأ، وعاش بدون أبوين، فهو في طفولته إحدى تلك الشخصيات المهملة الكائنة على هامش الحياة، يذكرنا بشخصية «غرنوي» بطل رواية «العطر»، فتلك الشخصيات تشعر بعلوية على البشر، وإحساس بالاغتراب، اغتراب إلى حد الانفصال، كأنهم من جنس آخر غير البشر، أو آلهه عاشوا هنا عن طريق الخطأ.

إحساس الانفصال ذلك ينعكس في غياب للشفقة، فإحساس الشفقة ينبعث من تصور الشخص معاناة من يشفق عليه، بتخيله يمر هو نفسه بنفس المعاناة، وما يرافقها من ألم نفسي أو بدني، فكيف تحاكي إحساس ألم من هم من غير جنسك؟ وتعريف الألم بالنسبة لشخصيتنا محدود بتجارب معينة، وما دونها لا يعتد به ألمًا.

ولتبسيط ذلك تخيل مثلًا شعورك تجاه غزال، فقد تراه يجري برشاقه وتراقبه بحب، قد تلاعبه وتطعمه، لكنك قد تنصب له فخًا وتقتله إذا احتجت إلى لحمه، وتعلق قرنيه على حائط داخل بيتك متفاخرًا باصطياده، وفرحًا بما يضفيه من جمال على المكان.

كذلك كانت شخصية هانيبال: فقد كان طباخًا ماهرًا وفنانًا وطبيبًا نفسيا يميل للفضول تجاه طبيعة الإنسان، اجتمعت تلك العوامل مع غياب إحساسه بالشفقة لتخلق شخصية القاتل، يقتل ضحاياه؛ ليأخذ منهم مكونات لطبخاته، ويحول جثثهم إلى لوحات فنية بطبيعته المحبه للفن، ويتلاعب بكل من حوله ليستكشف أغوار النفس البشرية إلى حد القتل في سبيل ذلك، ودافعه الوحيد هو إحساسه بالفضول.

بدرجة ما يظهر هانيبال في زي الإنسان الأعلى في مخطوطات «نيتشه»؛ فقد تحرر أخيرًا من إحساس الشفقة، وكل جريمة قتل، وكل محاولة ناجحة للسيطرة والتلاعب بمن حوله تتحول تدريجيًا إلى درجات تحت قدميه، يتسلقها؛ ليرتفع على سلم القوة؛ ليتوج إلهًا يحلق فوق البشر.

في قصة «الخضر» يقتل غلامًا؛ ليجنب العالم شرًا عظيمًا، وفي الحرب يقتل الجندي بدم بارد دفاعًا عن أرضه، وفي كلتا الحالتين لم يعتبر القتل جرمًا أخلاقيًا، بل يعتبر عملًا نبيلًا، وبالتالي فالقتل ليس جرمًا في المطلق، ولكن يتحدد مدى كونه غير أخلاقي بدوافع القاتل أولًا، والنتائج المترتبة عليه ثانيًا.

هل تعتبر دوافع هانيبال شر؟

لم يقتل بدافع الطمع، ولم يقتل بدافع الكره، أو الغضب، ولم يقتل بدافع الرغبات الدنيا، كجنس أو مال، بل كان قتله بدافع الفضول، وخلق عمل فني، وإيجاد مكونات لأطباقه، وهو تصرف أصيل مبني على إرادة واختيار حر، ليس كردِ فعل سلبي لمريض تسيطر عليه أوهامه.

لا يمكن اعتبار الفضول وخلق عمل فني دوافع شريره في المطلق، وكونه يتناول لحوم البشر فهناك قبائل بدائية تتناول لحوم البشر على غير استحياء، لو كان يعيش وسطها لا يمكن اعتباره مجرمًا هناك بأية حال.

إذن فمشكلة هانيبال هي نتائج نواياه، في كونه يسلب البشر حياتهم بدون أثر إيجابي لتصرفاته، فمشكلته الحقيقية هي غياب الشفقة، ففي حالة إدانته تكون إدانته لكونه مختلفًا عن باقي البشر، وكونه لا يشعر بالشفقة مثلهم.

فهنا تعريف الخير والشر يكون طبقًا للمتعارف عليه في مكان ما، ففي قبيلة يكون أكل لحوم البشر هو السائد، وفي مكان آخر يعتبر جرمًا أخلاقيًا.

لكن هل هناك إحساس أصيل يجمع البشر، ويعتبر الأصل لكل القواعد الأخلاقية؟

لنتناول إحساس الشفقة على وجه التحديد، لا شك أن كثيرًا منا قد عاين إحساس الشفقة مرات على الأقل، لكن إلى أي مدى هو إحساس أصيل، ولا يلين تحت وطأة الأحداث، فمثلًا إذا حاولت إيذاء شخص آخر لأي سبب، فذلك التصرف يرافقه إحساس بالقوة واللذة، وبعد مرات عديدة من الإيذاء قد يتحول الإنسان إلى مدمن على العنف؛ ليمتص من الضحية إحساسه الدافئ بالقوة، وهنا يتواري إحساس الشفقة تمامًا، حتى عندما يشاهد شخص يتم إيذاؤه يتوقف عن محاكاة ألم الضحية، ويبدأ في محاكاة لذة المجرم.

إذن هل يكون الخير والشر خيارات متاحة للإنسان يختار أيهما بإرادته الحرة؟

في تعريف التحليل النفسي فالشخص السوي نفسيًا هو من يستطيع تحقيق كل رغباته تحت مظلة سوية من قبول مجتمعي، فلو قلنا إن المجرم اختار أن يستمد إحساسه بالقوة أو يحقق أيًا من رغباته عن طريق الإجرام أو القتل أو أي عمل غير سوي أخلاقيًا، فهو اختيار حر، ودائما كان هناك بديل لاختيار سوي.

ولكن تظهر هنا مشكلة الشخص الأخلاقي، وتمثلها شخصية «ويل جراهام» في المسلسل، فهو غير قادر على تحقيق رغباته بشكل سوي، وسبيله الوحيد هو كبت رغبته الملحة في الإحساس بالقوة؛ مما يخلق تشوهات بينة في شخصيته، وهذه ضريبة الأخلاق.

من الشخصيات الأخرى الكائنة على هامش الحياة شخصية أحدب نوتردام، لكنه على عكس هانيبال وغرنوي كان شخصية أخلاقية، فهل نحن مطبوعون مسبقًا على اختيار الخير أو الشر، ولا دخل للظروف والاختيار الحر في ذلك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ, هانيبال
عرض التعليقات
تحميل المزيد