تعساء نحن، لا متعة لنا سوى القراءة، ولا لذة لنا إلا الكلمات، نحسد هؤلاء الذين يجلسون بالساعات يتابعون مباريات كرة القدم، يشاهدون اثنين وعشرين رجلا يتبادلون كرة، وشبكة تحملق العيون نحوها وتشرئب الأعناق وقت الاقتراب منها، نحسد أيضًا هؤلاء الذين يجلسون بالساعات لمشاهدة المسلسلات ويتمتعون بلعبة الطاولة وهم يلقون النرد، نحسد كل من تتلخص متعتهم في أشياء بسيطة.

أما نحن فمتعتنا في ورق سطره كاتب، قصة نسج خيالها مؤلف شطح فأنتج ما نقرأه أو ربما سياسي يقدم التاريخ من منظوره أو مؤرخ يقدم لنا التاريخ بأوجه كثيرة تلك هي متعتنا، أنظارنا تحملق ناحية الحروف، أنفاسنا تحبس وقت ذروة الأحداث، آهاتنا تخرج بعد جملة حلوة كتبها كاتب كان في لحظة تجل.

نصف الذين كتبوا كتبوا لأنفسهم، لمتعتم الذاتية، استجابوا لجنون إبداعهم بعضهم كتب اكتئابًا ، أو حزنًا، أو يأسًا، في النهاية كان جزء كبير منهم لا يعنيه نحن، هؤلاء لم يدركوا ما فعلوا فينا، ما قدموه لمجموعة التعساء.

متعتنا الوقتية تتحول بعد ذلك إلى أسئلة وإجابات، يقول الأبنودي على لسان حراجي القط «وحراجي ما يعرف باللي عرفه مليح ولا في الأول مليح» ينطبق الحال علينا، حين ندقق في الكلمات، نستشعر ما حدث في أروقة التاريخ، ما يمكن حدوثه من منطلق أن التاريخ يعيد نفسه، نتحسر أن يكون تاريخنا مكررًا بهذا النسخ الخالي من أي إبداعات، وتلك النهاية المحتومة دون أي تغيير في النص.

نهرب من تلك الكتب، نحاول إضفاء لمسة جمالية أخرى فنهرول إلى الروايات، نغوض في حواري نجيب محفوظ، وثورية غسان كنفاني، وقرى خيري شلبي، وفلسفة محمود درويش، وتطرف نزار قباني، ورومانسية يوسف السباعي، وعبقريات العقاد.

نعطي عقولنا القلقة والمتوترة دومًا جرعتها من هذا النبع لتهدأ وتكمل هادئة، لكن حتى مع ذلك نكتشف فراغنا من الداخل، نسأل أنفسنا ماذا يمكن أن يحدث لو أن تلك الكتب غير موجود، من يهّون ساعات السفر الطويلة، يقطع الطرق الأسفلتية الموحشة، من يخفف عنا ساعات الليل الطويل، ومن يمدنا بكلمات نتغزل بها لنسائنا حتى نستر عورات جهلنا بهن!

كيف ستكون الحياة لو لم يقرر نجيب محفوظ في لحظة إنه أديب ولا يصلح للعبة كرة القدم، لو لم يفطن أن الكتابة الفلسفية والفرعونية لن تفيده في شيء ومن ثم عليه الغوص في شوارع المحروسة، في قصر الشوق والسكرية وحارة الحرافيش!

كيف ستكون الحياة لو لم يولد غسان كنفاني، أو لم يختر ذلك الطريق ويكتفي أن يكون صحافيًا يكتب عن مأساة بلده بصدق حبره فقط، لماذا أحب غادة السمان وكتب لها، وكتبت هي ما كتبه بعد وفاته ليخرج لنا نص بديع تمثل في رسائله فلم يعد ممكنا مغازلة أي أمرأة بنص أقل من هذا، ولم يعد ممكنا أن نكذب كالأطفال الصغار ونقول إنه من تأليفنا لأن الجميع قد قرأه.

هل كان لزامًا أيضًا على بلقيس أن تلتقي نزار قباني فيكتب فيها ويرثيها حتى يصبح اسمها عنوان أهم قصائده وحتى أضحى مقولة «هل يا ترى من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل» هي ترنيمة كل عاشق تركته حبيبته فجأة سواء كان السبب الموت أو أشياء أخرى.

هل كنا سنشعر أن الحصان بات وحيدًا إن لم يكن محمود درويش بيننا، كيف يمكن تجسيد الحنين هل خطر السؤال على بالنا، هل نحنّ إلى أمنا حقًا، ربما الإجابات واضحة ومجهولة في آن واحد تحتاج فقط أن يكتبها «درويش» لنقول هذا ما ينقصنا ثم نذهب نرددها وراءه دومًا.

من المسئول عن هذا الترتيب، عن وجود هؤلاء، قراراتهم أن يبدعوا، ثم بدونهم من لنا، نحن المتباهون بقراءتنا دومًا تعساء جدًا، فارغين بدون تلك الكتب، كهوف موحشة بدون تلك الكلمات التي تمنحنا الحياة، هل لنا أن نشكر هؤلاء، نشكر الله أن أوجدهم، نرثي حالنا أننا من تلك الطائفة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

متعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد