لمّا هاجر الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، شق الأمر وصعب على كثير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وقيل إن منهم مَنْ أصيب بالرمد، فلم يعد قادرًا على مجرد النظر.

  يحنون إلى بلد تركوه مجبرين، خلفوا وراءهم المال والديار، وأحيانًا الضيع والممتلكات وكثيرًا من الأصحاب، تركوا مراتع الصبا وأماكن اللهو واللعب، وأخرى عايشوا فيها الإيمان وسمو ورقي الأحاسيس، وهم على خلاف مع سادة مكة حتى أن واحدهم لا يدري أيعود إلى مسقط رأسه وأول مكان استنشق الهواء فيه أم لا؟

 وغير بعيد عنهم ما سمعوه من الرسول العظيم وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي  صلى الله عليه وسلم لدى أبواب مكة قال:

ـ والله إنك لأحب البلاد إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجتُ!

  أفكانت هذه الكلمات لمنزلة مكة عند الرسول العظيم فحسب؟

أم لتعليمنا حب الأوطان وعدم التفريط فيها إلا للشديد الغالي من الأمور؟

  أحسب وأعتقد أمن كلمات الرسول العظيم كانت للأمرين معًا، حب مكة على وجه الخصوص لمكانتها لدى خالق البلدان والدول ومن قبل القرى، ولتعليمنا درسًا في حب الأوطان.

  بعدها بأيام ليست كثيرة دعا الرسول العظيم ربه الدعاء الخالد الذي تردده كل مجموعة وجماعة وعصبة يخرجون فرارًا بدينهم، مع اختلاف في أسماء البلاد والقرى والدول:

ـ اللهم حبب إلينا هواء المدينة كما حببت إلينا هواء مكة!

  قيل إن استيراد الفواكه والثمر من دولة إلى أخرى يضر بخلايا جسد كان تكوينه الأصلي أن يتناول ما نبت في الدولة التي نشأ فيها!

  أما اليقيني فإن الطغاة وقساة القلوب والأفهام يعمدون إلى طرق ووسائل شتى لتفريق معارضيهم ومناوئيهم، وإن كان الأبرز القتل، ثم الإصابة بضرب السيف، ثم الرصاص لاحقًا، فإن أصعب من هذا وذاك النفي والإبعاد أو الإصابة الجسدية مع عدم مغادرة الحياة.

  إن قيل لأحدنا، وكان شاعرًا أو روائيًا أو مُفوهًا عظيم القدرة على البيان صف لنا من أول الحياة حتى الأمل واليأس والصبر.. فإنه ليجد مادة من القول يستطيع من ورائها التفسير والتوضيح والإبانة.

   لكن إن قيل لأبرع الجادين من أصحاب التجارب واللغة والإبداع: صف لنا الغربة وفرق بينها وبين السجن والإصابة.. فإنني لأتخيل أن يطول صمته .

   ورحم الله الشاعر المجاهد محمود سامي الباردوي:

          أبيت في غربة لا النفـس راضية بها .. ولا الملتقى من شيعتي كثبُ!

   في الغربة تشعر باختصار أن عمرك مؤجل، وأن أيامك لم يأت موعد أن تعيشها بعد.. مع أنك ما تزال على قيد الحياة!

  في الغربة يتبخر الأصحاب والأصدقاء فجأة عن أراضيك ورحابك.. وتشعر أنك تميل ميلًا غريزيًا فطريًا إلى إبدال المفقود من أحباب القلب الذين غادرتهم بآخرين.. وهنا يظهر إليك أن عليك أن تتلقى من العنات ما لم يخطر لك على بال.

  فهذا من أجل ثمرة فاسدة من ثمار الحياة الدنيا، لا غلافًا أخضر أو لعاعة.. بل لأجل عفن لا يستحق مجرد الإشارة إليه يطلق لسانه ويحرك أردانه وأطرافه، ويخوض في تجربة إنسانية كنتَ تحرص على بنائها معه وإنشائها بهندسة خاصة!

  وذلك يفحص رغبتك في التواصل والدفء البشري على أنه ضعف رائق يهيأ له ويعينه على الخوض فيك.. والادعاء والتجاوز حتى لينشر كل جيد قدمته إليه ويفصله ويدعي ألا فضل لك عليه إلا مجرد المصادفة وما جرت به الأقدار.

  وذاك ينظر ثبات نفسك وتدبرك استفزاز مشاعره.. ودبيب روحه خلف كل قرش وفلس وليرة على أن غائب عن أهداف الحياة الحقيقية، وبالتالي فإن سلبك أغراضك وغالي ما لديك لا يُعد عيبًا أو مكروهًا في عرفه!

 وأخير بعد أن يطعم أهله وأحبابه من دمك ولحم غيبتك وبهتانك يريدك بمنتهى الاستخفاف أن تلقاه بالأحضان، فلا يضيق حضنك عنه مهما أطال!

  إنك في الغربة لا تلقى استفزازات الطغاة وأنصاف البشر، بل معدوميهم فحسب، بل في غربة أساسها الفكر وانعدام الرؤية تلقى من البشر صنوفًا أكثرها استحقاقًا للقب إنسان يغلق على نفسه بابه، فمن النادر أن يفتحه.

  وفي المنتصف تلقى صاحبًا طيبًا وسط 10، لكن ما باليد حيلة؛ فإنه ملتزم بدفع أذاهم عن نفسه.. وتعلم فنون شرورهم ليعرف كيف يحيا بينهم.

 غربة فرقها عن السجن مجرد بضع سنتيمترات.. وعن الحياة فارق السماء عن الأرض، وتخفٍ واختباء خلف المبادئ، وطيبون يقيمون، لكن في آخر الدرب، وأنقياء لكن موزعو النفس خوف العصف بهم وأكل لقمة عيشهم.

  تُرى هل تجتمع غربة كهذه مع سعادة وإيمان؟!

يُتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد