الشيء الوحيد الذي قد يتفق عليه الغالبية العظمى من البشر حول السعادة هو فقط التعريف اللغوي لها، وهو الشعور بالرضا والغبطة، والبهجة حيال أمور نفعلها، أو تحدث لنا في حياتنا؛ ولكن مسببات ذلك هي التي أثارت اهتمام البشر بشكل كبير، وصار وضع خارطة أو منهج للوصول إلى السعادة هدفًا للكثير من الدارسين والباحثين، والأشخاص العاديين أيضًا.

ولأن مُسببات السعادة تختلف، فقد ظهر الكثير من التناولات لها من أفرع البحث العلمي والمعرفي، مثل تناولات الفلسفة وعلم النفس والاقتصاد، والأديان؛ وحاولت تعريفات أخرى حصرها في عوامل بسيطة، ومباشرة مثل المال، أو الاستقرار، أو العمل أو الحب أو التَدين وغير ذلك من المُسببات أو الأطر التي يرى الناس السعادة فيها أو من خلالها.

ولعلك صادفت بالفعل في قراءاتك أكثر من عنوان، أو موضوع يخبّر السعادة أو عن الدول الأكثر سعادة، أو مستوى الرفاهية كمؤشر للسعادة وأخرى تنفي بعض المُسببات للسعادة مثل المال، وأخرى تحاول قياس السعادة بالتدين والروحانية.

اقرأ ايضاً: القول الفصل للعلم: الحب سبب السعادة وليس المال

ماذا يقول المفكرون المتدينون عن السعادة؟

الكثير من الفلاسفة وضعوا تعريفات للسعادة ومُسبباتها على مر التاريخ، ولكن تلك الآراء النابعة أو الآتية من مفكرين وفلاسفة ذوي خلفيات دينية، وروحانية مسيحيين ومسلمين وغيرهم، حاولوا وضع مفاهيم للسعادة، تنبع من أفكارهم وتأملاتهم حول العقيدة نفسها، مثلما حاول بعض الفلاسفة المسيحيين في العصور الوسطى مثل «توما الأكويني» و«أوغسطين» وضع تعريفاتهم المتشبعة بجوهر الديانة المسيحية كما جاء في كتاب «السعادة موجز تاريخي» للكاتب «نيكولاس وايت»:

«إن السعادة البشرية التامة تكمن في رؤية الجوهر الإلهي، ويقول أوغسطين إن جزاء الفضيلة سيكون هو الله نفسه الذي يهب الفضيلة، والذي نذر نفسه لنا، وليس هناك من هو أفضل أو أعظم منه؛ فالله سيكون غاية رغبتنا وسوف نرى أنه بلا نهاية، نحبه بلا حدود ونمجده بلا كلل».

بينما حاول الكثير من فلاسفة الفكر الإسلامي أمثال: «أحمد بن مسكويه» و«الفارابي» و «ابن سينا» و«السهرودي» وغيرهم وضع عدة مفاهيم للسعادة ذكرهم الباحث المغربي د.«جميل حمداوي» في بحثه «مفهوم السعادة في الفكر الإسلامي»؛ مثلاً:

«يرى الفارابي أن السعادة لا تكون بالمنافع الحسية ولذة التملك، بل بالفلسفة التي ننال بها السعادة والكمال والفضيلة الكلية الكبرى، ولا تتم الفلسفة إلا بتشغيل العقل والمنطق اللذين يساعدان العارف الحكيم على التمييز بين الأشياء وإدراك الصواب من الخطإ واصطفاء الخير من الشر والحق من الباطل».

هل تؤثر مؤشرات الاقتصاد على عقائد الأشخاص؟

هناك فكر رائج بالفعل بين الكثير الناس أن المجتمعات التي ينتشر فيها الإلحاد أو العلمانية – فصل الدين عن السياسة – هي مجتمعات ناجحة استثنائيًا، ومحكوم عليها بالهلاك مقدمًا بالفعل مثل الكاتب وعالم النفس«أنتوني مالكوم دانيلز» الذي يدوّن باسم «ثيودور دارلمبر» والذي كانت له آراء شديدة اللهجة في تدوينة شهيرة له بعنوان «السقوط االحتمي للإلحاد» ذكر فيها انحلال الجتمعات الحديثة بوصفه: «سكان بدناء وأثرياء ومنحلون ومرضى لا يخشون الله» أي أبناء الرأسمالية الملحدة.

وحتى العالم الإنجليزي فرانسيس بيكون الذي كان أول من تبنى مذهب البحث القائم على التجارب في القرن السادس عشر ذكر من قبل أن الإلحاد انتشر جزئيًا في أوقات الازدهار الاقتصادي، وقال بأن الإلحاد كان ناجمًا بشكل جزئي عن تكرار الأوقات التي تعلمنا فيها، وخاصة خلال فترات السلام والازدهار؛ أن المتاعب والظروف الشاقة، تجعل عقول الرجال تميل إلى الدين.

الملحدون

ما هو مقياس المجتمعات الناجحة؟

ومن ناحية أخرى بخلاف تلك الآراء قامت دراسات اقتصادية جادة تدرس جوانب حياة الأشخاص في مختلف البلدان كي تكون مؤشرًا لقياس رضاء وسعادة تلك المجتمعات ككل، ومن أبرز تلك الدراسات تلك التي قام بها الباحث الأمريكي «جريجوري سكوت بول» عام 2008 بعنوان «السؤال الأكبر حول الدين تم إجابته أخيرًا» ويقول فيها أن الدين أكثر قدرة على الانتشار في المجتمعات التي تحتوي خلل كبير، ثم أنشأ ما أسماه «مقياس المجتمعات الناجحة» قام فيه بجمع بيانات 25 من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وقارنها بالإحصاءات الخاصة بالمعتقدات والممارسات الدينية في 17 دولة متقدمة.

جمع بول بيانات معدلات القتل، وعدم المساواة في الدخل، ووفيات الرضع، وحمل المراهقات، وغيرها، ليجد أن المجتمعات التي حققت أفضل نتيجة في تلك المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية هي المجتمعات الأكثر علمانية والتي ينتشر بها الإلحاد بنسبة كبيرة. وأراد بول من الدراسة دحض الفكرة القائلة بأن «الدين عالمي وفطري للحالة الإنسانية»، وإثبات أن المجتمعات التي لا تؤمن بوجود الله ليس محكومًا عليها بالفشل كما يعتقد بعض المحافظين الدينيين.

للإحصاءات قول آخر

Embed from Getty Images

بالنظر إلى البيانات الحديثة التي يعد من أهمها مؤشر «Gallup» العالمي لقياس لمستويات جودة المعيشة والسعادة للعام 2017 والذي وضع النرويج مثلًا على رأس أكثر الدول سعادة، وهي دولة علمانية الاتجاه، وبنسبة 38 % لا يؤمن سكانها بأي دين، بينما هي رقم 8 في مؤشر بيزنس إنسايدر لأغنى دول العالم، وفي القائمة ذاتها على مؤشر Gallup جاءت «قطر» في المركز المركز 35 عالميًا ورقم 1 عربيًا للدول الأكثر سعادة، بالرغم من كونها الأولى في قائمة بيزنس إنسايدر للدول الأغنى في العالم، وهي دولة دينية مسلمة.

ومما سبق نستطيع أن تستنتج أن الاقتصاد القوي المستقر عامل رئيس في قياس مدى سعادة الأشخاص، ولكن على المستويات الفردية والدينية تحديدًا قد تختلف الأمور، فمثلًا نتائج الاستطلاعات المباشرة في الدول الغربية ذات المؤشرات الاقتصادية المرتفعة – ولكنها علمانية التوجه – ومتعددة الديانات والطوائف قد لا يصلح تطبيقها على مجتمعات شرق أوسطية، أو عربية، أو حتى إفريقية، ولكنها تصير مؤشرًا «إنسانيًا» هامًا لا يمكن إغفاله عندما يتعلق الأمر بمحاولة قياس شعور إنساني رئيس، مثل السعادة.

كمِثال في المملكة المتحدة؛ ظهرت مؤخرًا نتيجة إحصائية أصدرها مكتب الإحصاءات الوطنية «المملكة المتحدة»، ونشرها موقع هافنيجتون، وأجري على 300.000 من بين 66.5 مليون – هم عدد سكان المملكة – شخص، والذي أشار بوضوح إلى أن من يعتنقون الأديان أكثر سعادة من الملحدين، حيث جاءت أعلى نسبة للسعادة – بمقياس صفر إلى عشرة – من بين معتنقي الأديان بين الهندوس البريطانيين 7.57، وتلاهم المسيحيون 7.47، ثم السيخ 7.45، والبوذيون 7.41، جاء بعدهم اليهود 7.37 وجاء المسلمون في المرتبة الأخيرة بنسبة 7.33.

الإيمان يحمي من الصدمات النفسية

أما الملحدون فقد ظهرت مؤشراتهم بتسجيل نسبة 7.22، أي أقل إجمالًا من معتنقي أية ديانة، وقد جاء في تقرير آخر نشرته جريدة التليجراف البريطانية نتائج مُحدّثة لتلك الدراسة أوردت فيها نتائج مشابهة –جاء فيها اليهود بأعلى نسبة- والتي تظهر أن الاعتقاد في الأديان أو ممارسة الحياة بمنهج ديني سبب كبير في سعادة الأشخاص، وجاءت تلك الإحصائية في شكل استطلاع تضمن العمر والموقع الجغرافي، والحالة الاجتماعية بجانب العقيدة وطُلب منهم قياس، أو تحديد مدى سعادتهم قياسًا من صفر إلى عشرة، وقال عالم النفس د.«بول ماكلارين»: مُعلّقًا على الدراسة:

«بالنسبة لكثير من الناس، الإيمان القوي قد يكون عنصرًا حاميًا لهم، وبه يأتي عادة حِس قوي للدعم الاجتماعي، والذي هو بمثابة عنصر مميز للحماية من الصدمات النفسية».

وعلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية وبالتحديد في الولايات المتحدة الأمريكية جاءت دراسة إحصائية أكدت أن الأشخاص الذين يعتقدون في معتنقي الأديان، وبخاصة المسيحية الأكثر انتشارًا في أمريكا، وجاء فيها إجابات هامة تعلقت بالاعتراف بوجود الله، فجاءت النسبة 86 % من المسيحيين يعتقدون بقوة في وجود الله، وأخرى تعلقت بالأنشطة الخيرية ومساعدة المُحتاجين في سؤال «هل تعتقد أن العمل الخيري أساسي لكونك مسيحي متدين؟» فجاءت الإجابة بنسبة 61 % لصالح من قالوا نعم في مقابل 39% لمن قالوا لا، وأظهرت الدراسة أيضًا أكثر الناس تطوعًا للأنشطة الخيرية والإيجابية، والمفيدة، وأقلّهم كذبًا هم «الأعلى تدينًا»، وبالتبعية هم الأكثر رضاءًا عن أنفسهم، وهو مؤشر أساسي للسعادة؛ مما أظهر نسبة كُلية لمؤشر الأكثر سعادة للمتدينين بنسبة وصلت إلى 49 % مقارنة بنسبة 29 % لمن هم أقل تدينًا أو من دون ديانة.

هل يمكن اتباع منهج للسعادة؟ علم النفس يحاول الإجابة

تقول أستاذة علم النفس الأمريكية د.«سوزان وايتبورن» في أحد مقالاتها في موقع Psychology Today عن كيفية تعريف علم النفس للسعادة علينا أن نسأل جدية عن ماهية السعادة والتفرقة بينها وبين «جودة المعيشة»، أي أن السعادة هي حالة شعورية إيجابية، ولكن لو سألت أحد الأشخاص عن مدى سعادته الآن في تلك اللحظة ربما تحيط به ظروف سلبية، أو لديه أمور هامة تشغل تفكيره فيجيب مثلًا ثلاثة من عشرة؛ لكن إذا سألته عن مدى سعادته في حياته بشكل عام، لربما توقف قليلًا وفكر مليًا ثم أعطى نفسه ثمانية من عشرة.

واشتهر مؤخرًا مبحث فرعي من علم النفس، وهو ما سُمي علم النفس الإيجابي Positive Psychology طرح منهجًا للوصول إلى السعادة أو تحديد مُسبباتها.

محاضرة من «تيد» مترجمة للعربية من قبل مؤسس علم النفس الإيجابي «مارتن سليجمان»

وطبقًا لموقع Positive psychology إن منهج علم النفس الإيجابي يقوم على ثلاثة مستويات أساسية، وهي:

1- دراسة الخبرات الإيجابية مثل البهجة، وجودة الحياة، الإشباع، الإلتزام و التفاؤل، والطفو وهي كلها تهدف إلى «الشعور الجيد» عوضًا عن «فعل الجيد» أو عن كونك «شخصًا جيدًا».

2- المرحلة الثانية تتركز حول كل ما يحدد أو يعرف «الحياة الجيدة»، والصفات أو الجودات التي يجب أن تتوفر بشكل أساسي لحياة جيدة من خلا دراسة نقاط القوة و الفضائل، الشجاعة، وسعة الحب والمغفرة والأصالة، والحكمة.

3- ثالثًا على المستوى المجتمعي، أو مستوى الجماعات يتمثّل في دراسة الفضائل المدنية، المسئوليات المجتمعية، الحنو، المدنية، الإيثار أو التفاني من أجل الآخر، التسامح، و أخلاقيات العمل.

وجهات النظر والقياسات السابق ذكرها قد تخبرنا أن مفهوم السعادة بالفعل يرتبط فرديًا – مما يؤثر إيجابيًا على المجتمعات – بالممارسات العقائدية الإيجابية وإيجاد الاتصال الروحاني الذي يقوي إرادة الأشخاص، ويجعل من رضائهم عن أنفسهم سببًا للسعادة أو أحد عناصر مُسبباتها، وقد يرى البعض استنادًا إلى الوقائع والإحصاءات والأرقام أن هذا لا يثبت أية علاقة بين الدين والسعادة وربط الأمر بالمستوى المعيشي والاقتصادي فقط دون النظر إلى الشعور الإيجابي وحالة البهجة التي قد تنتاب الفرد جرّاء ممارسته لفعل إيجابي «خيّر» أو حتى ممارسة شعائر دينه وطلب العون والقوة من الإله في أوقات الشدة أو اليأس، وهناك محاولات منهجية تخرج عن هذين الإطارين تمامًا، مثل محاولات علم النفس بمختلف فروعه البحثية تحاول الوصول بطريقة علمية يمكن تطبيقها إلى السعادة باعتبارها الحالة الأفضل، أو الشعور الأقصى بالرضا والبهجة الذي قد يكون هو المحرك الدافع لحياة االفرد في كثير من الأحيان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد