السعادة!

حينما نتأمل هذا المفهوم جيدًا، نجد أنفسنا أمام إشكالية تحمل في طياتها معاني جمة، يتداخل فيها المركب بالسيط، بل أمام اختلاف كبير وواضح بين وجهات النظر في تحديدها، أغاية؟

انكب على دراسة هذا المفهوم ثلة من الفلاسفة والمفكرين، منذ نشأة أم العلوم الى المرحلة التيولوجية في القرن التاسع عشر، التي اتسمت بظهور العلوم التجريبية، وتطور الوضعي وتجاوز الماورئيات في التحليل العلمي للأشياء وتطور العلوم الاجتماعية بعد الحرب العالمية الأولى تحديدًا. فأضحى منذ ذلك الحين الاهتمام بالموضوعات السيكولوجية أكثر رواجًا، فطفت إلى ساحة العلم مدارس ونظريات، كل من زاويته الخاصة يفسر وينظر في هذا المنطوق، بين من يربطها بالوراثة وما هو موضوعي، والانتماء الطبقي.

ودون الغوص في تفاصيل أكثر وأعمق، ثمة غموض ينتاب الإنسان العربي من مفهوم السعادة! لا شك في أن الكثير من الأشخاص يربطونها ببلوغ الماديات والشهوات.، ولا ريب أنها ليست شيئًا واحدًا في حد ذاته على الأقل.

إذًا كيف يمكن البلوغ إلى السعادة؟ وما الوسائل المتاحة أمام الإنسان العربي لتحقيق السعادة (حسب فهمه لمعناها)؟

السعادة بالوطن العربي في زمننا الراهن الذي يعرف تراجعًا في شتى المجالات ماديًا وقيميًا، رهينة – بشكل جدلي – بإطلاق سراح الضمير الإنساني والعزف على ثلاثة أوتار: الغناء، الإفتاء، السياسة.

فإذا أردت أن تكون سعيدًا وأن تنال الشهرة، وتعيش ما تبقى من العمر غانمًا، متنعمًا، مترفًا، تنهال عليك الأموال من حيث لا تدري، وبمدة تحطم فيها الرقم القياسي، فما عليك إلا أن تمتهن إحدى ثلاث: الغناء، أو الإفتاء، أو السياسة.

فإن امتهنت الغناء، ستنال الدعم من الملوك والمواطنين، فهناك برامج، وحلقات غير محددة، وأناس يصرفون مليارات الدولارات، ليدعموك ويحسنوا من قدراتك، فتتحول خلال أشهر قلائل من نكرة إلى أعظم شخصية عربية. فتبدأ حينها مشوارك نحو المجد والغنى والمتعة والترف فتشفط الشحوم وتنفخ الشفاه وتكبر الصدور وتنحت الأجسام، وتحاط بحراس شخصيين وسيارات مدرعة، تصول وتجول بين المعجبين والمعجبات الذين يتوقون للحصول على توقيعك توق الصحراء للمطر، ستتاولى خرجاتك الإعلامية لبث ما أنتجه عقلك من القيء الفني، والمنابر الإعلامية في سباق على من سيظفر بأول لقاء معك، وكأنك شخص قلما جاد به الزمان.

وإن امتهنت الإفتاء، فما عليك إلا أن تكون فاشلًا في الحياة، فتدخل الجامعات التي تغيب الفكر الحر، وتحرم استخدام العقل، لتخرج بعد سنوات قلائل وفي يدك شهادات: إجازة، ودرسات عليا، من ماجستر ودكتوراة، عن دراسة عميقة في الصراط وتأثيره في تقوى العباد، أو المؤامرة وراء توم وجيري، أو جواز مشاهدة مغامرات الفضاء، أو الممنوع والمباح في جهاد النكاح. فتضع على رأسك عمامة سوداء أو بيضاء ولحية مهذبة جميلة، او لحية طويلة رثة. وتبدأ مشوارك من على المنابر كقائد للقطيع، تلقي خطب وتبعث رسائل، فتصبح تاج رأس هذا وذاك وتفتي بهذه الفتوة أو تلك، فيتبعك القطيع والمتأثرين بالخطاب اللاعقلاني الذي ينتج كل مظاهر التطرف بأوطاننا، تاركين جنة الخلد للفقراء، ويعيشون جنتهم على الأرض.

وإن امتهنت السياسة فيا لك من محظوظ! فما عليك إلا أن تكون انتهازيًا، وتدعي أنك مناضل، وتوهم العرب بأنك الثائر المكافح المقدام. القائد الضرورة ومختار العصر. خليفة الله على الأرض. منقذ الأمة ومحررها بطريق طويل يبدأ من عرشك وينتهي في القدس. فيتبعك الشعب هاتفًا: بالروح بالدم نفديك يا فلان، فتعيش أنت في قصورك الفخمة المحصنة أشد التحصين، ولا قصور هارون الرشيد في زمانه، فيذهب شعبك للجهاد في سبيل الله والوطن، وأنت وأولادك والمقربين تتنعمون في الحياة وشعبك يموت في اليوم ألف ميتة وميتة.

أما إذا فكرت مجرد تفكير بأن تكون مفكرًا أو أديبًا حرًا أو عالمًا فذًا، فالويل لك كل الويل؛ لأنه لن يكترث لك أحد، وستعيش في فقرٍ مدقعٍ وبؤس شديد. ولسوف تنهال عليك اللعنات واللكمات والهراوى والسكاكين من الملوك والشيوخ والمواطنين، فتقضي ما تبقى من حياتك البائسة خلف القضبان أو على رصيف تفترشه؛ لأنك لا تملك حتى سعر قوتك اليومي، حتى يرحمك الله بميتة تأخذك من هذا العالم السقيم.

باختصار: إذا أردت أن تعيش في الوطن العربي حياة حرة كريمة، فما عليك إلّا أن تكون أحد الفاعلين في المجالات التي تستعملها السلطة لتنويم وتغييب عقول الشعوب وهي: الغناء، الإفتاء، السياسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد