مصطلح ربما غريب على الكثيرين ولكنه مألوف لي جدًا مثل مصطلح اقتصاديات السعادة التي لم يعرف عنها كثير من الاقتصاديين، ولكن ما هي السعادة؟ سمى علماء النفس الإيجابي السعادة بـ «حسن الحال الذاتي» وهو أدق معنى قرأته للسعادة لأنها شعور داخلي بحت يتعلق بحال قلبك ومدى تصالحك مع نفسك. ومن ثم وضع علماء النفس هذه المعادلة، «السعادة = الرضا عن الحياة + مشاعر إيجابية أكثر+ مشاعر سلبية أقل».

ولعل القارئ يتساءل هل يمكن للسعادة أن تكون ديانة؟ أنا على سبيل المثال مسلم، ديني الإسلام ورسولي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، أوصاني ديني بالسلام والسعادة، فاتخذتها لنفسي دينا وحفظتها عهدا وأقسمت أن أنشرها حولي في كل مكان. ولعل أسعد أوقاتي حينما أجعل غيري سعيدا، فهو فن وعلم لا يحترفه إلا من يفهم ويشعر، فن جميل أسميه أنا في لغتي «كيف تجعل غيرك سعيدا؟» وأعتقد أنه أعظم ما يمكن أن تقوم به في حياتك، فهي رسالة، الإنسان هو رسولها وهي واجب علينا جميعا.

كيف تعتنق ديانة السعادة؟

ليس من الضروري أن تكن مسلما كي تكون سعيدا، فأحب أصدقائي من المسيحيين وهم من أكثر الناس سعادة، فأنا شخصيا لا أجد أي حرج في أن تعتنق أي ديانة تريدها سواء كنت مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو حتى ملحدا لا تؤمن بدين، فهذا أمر لا يخصني في شيء أبدا. فالقاعدة التي تعلمتها من الحياة هي طبيعة خلق الإنسان كإنسان وليس تصنيفا من أي نوع، فقبل أن يعطينا الله كينونة الديانة التي نعتنقها، فقد أعطانا حقيقة أننا بشر ننتمي إلى إنسانية واحدة لا تعدد فيها، وقبل أن نكون مسلمين، فنحن بنو آدم جئنا جميعا من صلب آدم وحواء واجتمعنا لنشكل الإنسانية، تلك الكلمة التي لم نعد نعتبر لها أي اعتبار رغم أنها ذاتنا وحقيقتنا.

إذن لكي تعتنق ديانة السعادة، لا تحتاج سوى أن تكون إنسانا بفطرتك البسيطة تنظر إلى العالم بتفاؤل وأمل وتفكر جيدًا في عمل وتنفيذ كل شيء سوف يسعدك أنت ومن حولك طالما لا تفعل منكرا، فلتجري وتلعب كالأطفال في زحام الشوارع وفي المطر طالما هذا سيعطيك طاقة إيجابية. وكل منا لديه شيء مختلف يسعده، فأنا على سبيل المثال أحب ركوب العجل جدا ولذا أفعل ذلك بلا استحياء، فما شأن العالم بي؟!

«دكان السعادة»

لا يوجد دكان أو تاجر يبيع السعادة في أكياس أو زجاجات ولا أحد يمتلكها بيده كي نحاول استلابها منه، فهذا عبث ولو كان حقيقي ما تحيرنا يومًا، فوالله لو كانت السعادة تُباع لاشتريت كل قطرة منها ووزعتها على الإنسانية جمعاء.

ما أقصده أن السعادة ليست سلعة سهلة التداول في الأسواق كالسلع الأخرى وإنما هي سلعة شحيحة ونادرة، فهي لم تأخذ من علم الاقتصاد سوى قانون الندرة النسبية إن صحّ تشبيهي، والإنسان هو السبب في ذلك حيث كدّر حياته وجعلها أصعب ما تكون وأخذ يراكم فوق صدره الهموم والأحزان حتى باتت الضحكة أمرًا صعب المنال وكأنه يعيش حياته مجاهدًا كي يرنو السعادة من على بُعد أميال طويلة وهيهات أن يصل إليها، رغم أنك لو تأملت الأمر متعمقًا فيه لوجدت أن كل الأشياء في حياتك لها ثمن ربما لا تستطيع أن تدفعه، إلا الضحكة والابتسامة فهما السلعة الوحيدة التي ليس لها ثمن ويملكها الوزير والغفير.

مشقة الحياة صعبة ولكن من شأن الإنسان أن يهون على نفسه الأمور، فليست الدنيا هي ﺂخر ما نعيش وليست تتر النهاية في مسلسل حلقاته طويلة ومملة يبتذل فيها المخرج المشاعر والأحاسيس. فالحياة مرحلة وهي مجرد جزء وليس كل، وقد استفضت طويلًا في هذه المسألة في مقال «وفي موتي حياة.. تحليل في فلسفة الموت».

يحيا السعادة فقط من يتذوق حلاوة أشياء توحي بالمرارة، وليس في كلامي مبالغة فلنتأمل حالة «نيكولاس فوجيسيك» ذاك الأسطورة الذي ضرب للعالم درسًا في الإرادة والرضا والسعادة، ولن أتكلم عنه كثيرًا لأني حقا أعجز عن الكلام في مثل هذه الحالة.

وفي كتاب «كيف تصبح إنسانًا؟» للدكتور أحمد عكاشة، قدّم الدكتور نصيحة عظيمة جدا جربتها أنا شخصيا، حيث نصح بأن تحاول كل يوم في طريقك للعمل أن تكتشف ثلاثة أشياء جميلة وتكتب عن كل واحدة منها جملة واحدة وتحفظها معك، وقد جربت الأمر فأخذت أمشي كل يوم وأنظر حولي كي أكتشف شيئا جميلا لم أنتبه له من قبل ربما يكون شجرة غاية في الروعة، وربما عصفور يغرد عليها، وربما سيارة تمنيت اقتناءها، وربما مركب يغزو الماء فيغزو فينا الجراح غزوا، وربما… أشياء أخرى كثيرة من خلق الله أو من صنع البشر، المهم أن هذه الأشياء تبعث فيك السعادة وأظن أن هذا تدريب عملي رائع يعلمك كيف ترى بعين الجمال التي لا يستطيع أن يرى بها الكثيرون. قد يكون الأمر صعبًا في البداية وربما تمشي طويلا ولا تجد شيئا جميلا يلفت نظرك وهذا يعني أنك في مشكلة حقيقية حيث لا يمكنك أن تدرك أن الجمال موجود حولك في كل مكان وفي أبسط الأشياء، وفي هذا الأمر قال أبو حامد الغزالي: «من لم يهزه العود وأوتاره والروض وأزهاره، فاسد المزاج، ليس له علاج»، فلتكرر المحاولة حتى تتمكن عينك من إدراك كم أن هذا الوجود جميل.

ليست السعادة أن تضحك كل ثانية بلا داعٍ وإن كان لا مانع عندي من أن تضحك بلا داعٍ، وإنما السعادة أن تنظر لحالك بابتسامة صادقة تقول فيها عينك «الحمد لله على حياتي التي لم ينلها غيري».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد