هل يكفي أن يكون لك وطن تسكنه لكي يسكنك الوطن؟ ما هي حدود الوطن؟ و من الذي يرسم خطوطها؟ و أين تُرسم؟ وهل الوطن اسم وتراب وسماء؟ وهل الشمس في الوطن أكثر دفئًا منها في كل مكان سواه؟ هل لكل وطن قضية تقض مضجع أحلامه وتشغل هاجس أيامه؟

قد يتساءل أحدنا: ما الذي يمنح الوطن قدسيته؟ ألأنه بقعة الأرض التي ولدنا فيها، أو ربما الأرض التي سمعنا عنها من آبائنا الذين ولدوا فيها، فصار الانتماء لها نوعًا من الوفاء بعهد لم نكن طرفًا فيه بمحض إرادتنا؟

وماذا عن الأوطان التي ولدنا فيها ولسنا منها؟ تلك التي جمعت شتات أجسادنا واحتضنت غربة أرواحنا ماذا تُسمى؟ وكيف يكون الوفاء لها إن لم يكن انتماءً وفناءً في هوى إحسانها وحنانها؟

أجل عن الوطن أكتب وأتساءل: هل أرض الوطن واحدة؟ هل كل بقعة في الوطن تعني لك الوطن وتغنيك عنه؟ وماذا عن ذلك الجزء من الوطن الذي تلوح لك أطيافه من بعيد، فيتراءى لك خيالًا على مرمى القلب والأمنية دون أن تراه عيناك، أو أن تخطو على ترابه خطاك، أو تتنفس هواءه مسامات روحك؟

تستغرب كيف استطاع ذلك الجزء أن يبقى حلمًا نقيًا بعيد المنال قريب الخيال؟ حلم لم تزل تسمع عنه من أجدادك وجداتك الذين فارقوا أرضه صغارًا، ولم يفارق خيالهم أبد الحياة حتى الممات.

أهذا الوطن الخيال هو نفسه الوطن الواقع الذي تسكنه وتعيشه؟ هل أرضه هي ذات الأرض؟ إن كانت كذلك، فلماذا وجه المكان فيها مختلف؟ ولماذا وجوه الناس فيها ليست واحدة؟ أم أن للأمكنة وجوه ساكنيها، لهذا تختلف ملامحها  باختلاف من فيها؟

إن كنت من أولئك الذين يكثرون من طرح الأسئلة؛ فستبقى تحاصرك احتمالات الأجوبة  التي لن تكف عن التفكير فيها، وتحليل منطقها والمقارنة بينها.  إذ كيف يمكن للمرء أن ينتمي لأرض توحدها الهوية، وتقسمها السياسة، بينما  تقف الجغرافيا منها موقف المتحيز.

الوطن هو محل الاستقرار. وبخلاف المتعارف عليه، ليس الاستقرار للجسد وحده، بل إن أهم الأوطان هو ما استقرت فيه وبه النفس. وقد تستقر النفس بفكرة أو باهتمام أو باكتشاف معنى جديد للذات وللحياة. وكم من متنقل سائح في دنيا الله له من الاستقرار الروحي ما لم يجده غيره المستوطن في بقعة لم يعرف سواها، خَبر فيها قليلًا من معنى استقرار الجسد وعاني فيها أكثر من غياب استقرار النفس!

منذ الاستقرار الأول للإنسان على الأرض كان آدم ـ عليه السلام ـ رمزًا للإنسان، وكانت البقعة التي نزل فيها رمزًا لجميع الأرض، وعلى هذا فوطن الإنسان الواحد، وإن اختلفت مشاربه ومذاهبه وملامحه هي الأرض الواحدة، و إن اختلف اتجاهها، وأوان ليلها ونهارها.

فلماذ التشبث إذن بجزء من الأرض، واعتبار الحياة على سواها غير ذات معنى؟ نحب أوطاننا نعم، ونفخر بالانتماء لها، ونتغنى بها؛ فحب الوطن من الإيمان! هكذا تعلمنا صغارًا، ولكن ماذا إذا لم يقدر لأحدنا أن يولد على أرض «وطنه» أو أن يعيش فيها؟ وماذا إن لم يستطع، حتى زيارتها، وإن لمرة واحدة في العمر؟ أيبقى هاجس الوطن في باله فكرة  تفسد عليه حياته، وتحرمه شعور سعادة الانتماء إلى وطن؟

ما الوطن إذن إلا فكرة! فكرة لمعنى الانتماء والسعادة به. وقد يكون الانتماء لمعنى الوطن أكثر حقيقية وصدقًا من الانتماء لأرض الوطن.

وعلى هذا فالوالدين وطن، والأخوة والأحباب والعائلة والأصدقاء وجميع البشر كلهم أوطان. وكل عمل نحبه ونشغف به وطن. واكتشاف الذات أجمل وطن. وكل تفاصيل حياتنا واهتماماتنا الكبيرة والصغيرة أوطان بمعنىً آخر، وكل معاني الإنسانية التي ننتمي لها أوطان لنا.  وكل بقعة أرض زرناها وتركنا بعض ذواتنا فيها هي أوطان أخرى تنتمي لنا بقدر ما ننتمي لها ونتذكرها.

إذن.. ليس الوطن واحدًا قد نسعد أو نشقى به.. والسعيد من تعددت مواطنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مَواطِنه
عرض التعليقات
تحميل المزيد