بعد كل ماتعانيه اليمن من معاناة في محاولة لملمة جراحها داخليًا، يأتي تدخل قوات التحالف في مدينة الحديدة الساحلية لزيادة موجات النزوح بين أفراد الشعب اليمني، الذي يعاني الأمرين في هذه الفوضى السياسية، والتي يكون تفسيرها الأقرب بأن القصف الجوي على ميناء الحديدة يأتي لأهداف اقتصادية قبل أن تكون سياسية لمحاولة تجويع أهالي مدينة الحديدة، لأن جماعة الحوثي قد سيطرت على هذه المدينة منذ أن كان الرئيس الغائب الحاضر عبد ربه منصور هادي في صنعاء لا يعرف كيف يقصي جماعة الحوثي من محاولتها للسيطرة على ثروات الشعب اليمني، أو ربما لم يتمكن من ترجيح كفته وإقناع الشعب اليمني من أجل الوقوف معه ودعمه وتأييده قبل بدأ عاصفة الحزم منذ ثلاثة أعوام.

 الوضع في اليمن قبل الحرب يشبه واقع اليوم ولكن بطريقة مختلفة، إذ كان الفقر والمجاعة في اليمن والتلوث البيئي يتصدران المشهد، وكانت الحكومة اليمنية آنذاك قبل انقلاب جماعة الحوثي عليها هي حكومة أشبه بكونها منظمة إنسانية تطلب مساعدات خارجية باسم الشعب اليمني، وعندما تأتي المساعدات الإنسانية والمواد الغذائية من الدول التي تدعم اليمن تتغير طريقة التعامل مع المساعدات الغذائية بعد وصولها، حيث تظهر السلطات بأنها هي من قامت بتوفير المساعدات من قبلها وليس من قبل الحكومات المانحة التي تدعم اليمن، وكأنها دعم حكومي يمني للشعب وهي مساعدات رسمية من قبل الحكومات التي تدعم اليمن.

لقد رسم هادي بصمته في معالم واضحة بأنه لا يستطيع فرض سلطته على الأرض أو محاولة كبح جماح قوات التحالف في المضي قدمًا نحو القصف الجوي لمدينة الحديدة، الذي لن يقدم سوى مزيد من الضحايا والتشريد ونزوح أهالي هذه المدينة التي كانت نوعًا ما أكثر استقرارًا عن باقي المدن الأخرى.

لقد حان للشعب اليمني أن يفرض كلمته بمحاولة أن يقف صفًا واحدًا منيعًا في صنع القرار السيادي ويتصدى لهذه اللعبة السياسية غير البناءة ومحاولة التوصل إلى حل يشمل جميع مكونات أبناء الشعب اليمني بمختلف توجهاتهم السياسية أو معتقداتهم الدينية، إذ يعتبر النصر في كل بلاد العالم (نصر داخلي) لا يأتي من الخارج بل يأتي من الداخل بالاعتماد على أبناء البلد والترحيب بالحوار الشامل ومد يد السلام بين المجتمع ومشاركة جميع الأطراف في صنع اتحاد يمني وطني بعيدًا عن تدخلات الخارج وتوجهاتهم وأطماعهم التي لن تسمن ولن تغني من جوع.

إذ إنه من المستحيل أن يهتم لأمر أي بلد في العالم سوى أبنائه، وها قد رأى العالم أجمع ماذا صنع التدخل الخارجي في اليمن منذ قرابة ثلاثة أعوام سوى أن اليمن تصدرت المشهد بعد الأزمة السورية وتسابقت في أرقام النزوح والضحايا وتسارع انهيار العملة ودمار البنية التحتية للبلاد والمستشفيات والمدارس والمنازل لأنه لا يمكن أن يكوت حل الحرب بالحرب بل الحل بالحوار.

عندما يكون هناك حوار بناء يكون هناك حل منطقي بعيدًا عن تعرض البلاد لأسوأ كارثة إنسانية في تاريخ اليمن وعندما يتخذ قرار بالاستعانة بالدول المجاورة من قبل أي رئيس لفرض سلطته في البلاد، هذه دلالة واضحة أن الرئيس فقد السيطرة وغير كفؤ وغير مؤهل أن يدير بلدًا فقد أبناؤه الثقة بشخصيته المنهزمة.

لذلك على الرئيس هادي الغائب الحاضر أن يكون له الاختيار، إما أن يقف مع الشعب ويعود للبلاد ويشارك في صنع القرار من الداخل وليس خارج حدود البلد ويفتح الباب أمام جميع مكونات اليمنيين في صنع القرار، أو يعتذر ويتنحى ويعلن استسلامه ويترك الأمر للشعب اليمني الذي سيقرر مصيره بالحوار البناء وسينهي فتيل هذه الحرب التي جعلت اليمن في قمة الدول الأكثر دمارًا وفقرًا وتشريدًا ومعاناة وظلمًا وفسادًا واعتقالات تعسفية وفتنة طائفية.

لقد بدأت الحرب بتدخل عسكري ولن تنتهي إلا بحوار بناء شامل المعارضة الوطنية في الداخل والخارج وبعيدًا عن الإقصاء الذي يعد الوسيلة الحالية التي تدار بها أزمة اليمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد