أحدث الفيديو الذي ظهر مؤخرًا على اليوتيوب، لفتاة تمشي بشوارع “مانهاتن” بولاية “نيويورك” بـ “الولايات المتحدة الأمريكية” لأكثر من عشر ساعات صامتة، ضجة كبيرة بعد أن أظهر الفيديو عدد مرات التحرش اللفظي بالفتاة، والتي تجاوزت 100 مرة، كان جلهم من الأمريكيين الأفارقة واللاتينين، وحظى الفيديو بنسبة مشاهدة عالية تجاوزت 35 مليون مرة.

 

ورغم أن الفيديو تناولته الرؤية الأمريكية من منطلق عنصرية المخرج “روب بليس”، والذي ركز فيه على المتحرشين من أصول أفريقية ولاتينية مبتعدًا عن أصحاب البشرة البيضاء، ومتناسية موضوع الفيديو الذي يتحدث عن “التحرش” إلا أن الرؤية العربية والإسلامية تركزت على “التحرش” نفسه، وعن مظاهره وأسبابه ودوافعه، وأخذت الحوارات والنقاشات تدور في عقول ووجدان الشباب العربي والمسلم، حتى أن صفحة قامت بعمل فيديو يظهر فتاة مرة ترتدي ملابس مثيرة ومرة أخرى نفس الفتاة ترتدي الحجاب لتظهر الفارق بين الحالتين في التعرض للتحرش، وحسب الفيديو ظهر الفارق واضحًا بين الحالتين.

 

 

وانقسم الناس بين من يقول بأن التحرش سببه لباس الفتاة وعدم التزامها بالزي الشرعي، رغم أن هناك رصد لكثير من حالات التحرش بالمنتقبات والمحجبات وانتشار التحرش في الدول التي تسمى بـ “الإسلامية” كمصر والسعودية وأفغانستان، حتى إن التقارير أثبتت أن أكثر من 90 % من النساء في مصر تعرضن للتحرش.

ولم يقتصر التحرش على المرأة إلا أن التحرش وصل للأطفال في هذه الدول، حيث أثبتت الدراسات الحديثة أن طفل من كل أربعة أطفال يتعرض للتحرش في السعودية، ولا بد هنا من الفصل بين الدين والتدين في هذه الدول وبين الإسلام وبين ممارسات المسلمين وسلوكهم، فمن الظلم والإجحاف أن يشهر العلمانيون والإلحاديون ألسنة حدادًا لوصم الإسلام بأفعال وجرائم المسلمين والإسلام منها براء.

وهناك من يقول إن الفقر والكبت الجنسي هما من أهم عوامل تفشي ظاهرة التحرش، رغم أن الأمريكين يتمتعون بقدر كبير من الحرية الجنسية والرفاهية الحياتية، إلا أن التحرش ظاهرة موجودة وبنسب عالية فيها، والحقيقة أن التحرش عمل عنيف – حتى لغة- أصله أزمة أخلاقية ومجتمعية تعاني منها كثير من المجتمعات المفككة غير المترابطة.

ووفق تعريف مبادرة “خريطة التحرّش”، التي تأسّست في العام 2010 لمناهضة التحرّش، فإن مصطلح “تحرّش” يعني “أي صيغة من الكلمات غير المرحّب بها أو الأفعال ذات الطابع الجنسي والتي تنتهك جسد أو خصوصيّة أو مشاعر شخص ما وتجعله يشعر بعدم الارتياح، أو التهديد، أو عدم الأمان، أو الخوف، أو عدم الاحترام، أو الترويع، أو الإهانة، أو الإساءة، أو الترهيب، أو الانتهاك، أو أنه مجرد جسد”، والتحرش ارتبط بعدة عوامل أساسية من بينها صفات مرتبطة بالمتحرش نفسه والمتحرش بها والبيئة المحيطة.

فالمتحرش سواء كان فقيرًا يعاني كبتًا جنسيًّا، أو غنيًّا يعاني من فراغ مصحوب بحرية جنسية، متدينًا أو غير متدين، فهو يتحمل العبء الأكبر من المسؤلية في ظاهرة “التحرش” لأنه هو أصلها ومصدرها ومسببها، ولغياب التنشئة الأسرية والمجتمعية، وانعدام القدوة للمتحرش فهو يعد مريضًا نفسيًّا، ويعاني من خلل قيمي ورسالي وغائي لأنه غير مشغول بقضايا كبرى مثل قضايا أمته ووطنه، والمتحرش يمر بعدة مراحل، من أجل تبرير سلوك التحرش لنفسه وإظهار نفسه بمظهر الضحية.

 

ومن النماذج التي حاولت دراسة هذه المراحل نموذج فينكيلور، منها مرحلة التفكير “البحث عن الحافز للاستثارة الجنسية لضعف عنده أو تطلع لها” ومنها مرحلة الإذن “تجاوز القيم والموانع المجتمعية والأخلاقية والدينية” ومنها مرحلة انتهاز الفرصة “البيئة المهيئة والملائمة للفعل” ثم مرحلة التنفيذ “تجاوز الضحية” والمتحرش بها مظلومة مقهورة سواء ارتدت حجابًا أو نقابًا أو خرجت بدونهما، لأنها في الأخير إنسانة تريد أن تحيا في مجتمع يحميها من نظرات وألسنة أبنائه، وعلى المجتمع دور هام، فلو كان المجتمع يتسم بالإيجابية وله من الأخلاق الأساسية والإنسانية مثل المروءة والشهامة نصيب لما وصل الحال لما نحن عليه حيث يقول الواقع في مصر إنه لا توجد فتاة أو إمراة لم يتم التحرش بها.

 

وعلى المتحرش أن يملأ حياته بما يشغلها، فنفسك إن لم تشغلها بحق شغلتك بالباطل، وأن يتلمس الصحبة الصادقة المخلصة، والبيئة الحاضنة النقية، وأن يكون له دور رسالي قيمي في الحياة، بأن يتطوع مثلاً في أعمال الخير والتكافل المجتمعي وأن يزور المرضى والمحتاجين، وأن يتنقل بقلبه وعقله بين حوائج الناس وعوزهم ويجتهد في قضائها وتوفيرها، وعليه أن يتخلص من الوحدة والفراغ وألا يترك نفسه لنفسه فتهلكه، وأن يجعل محور حياته وإطارها في قضايا الأمة الكبرى وآمالها وآلامها .

وعلى المجتمع أن يثور على عاداته وتقاليده الفاسدة البالية، ويعود لأخلاقه وصفات الرجولة و”الجدعنة”، وينشر بين أركانه الشهامة والمروءة وأخلاق “أولاد البلد”، وأن ييسر للشباب الزواج ولا يكلفهم فوق طاقاتهم، ويجتهد في التخلص من العزوبية ولا يترك العنوسة تعصف بشبابه وفتياته، ولنحذر جميعًا أن نكون نحن من المتحرشين بالقول والفعل والخاطرة، بل ومن الداعمين لانتشار الظاهرة بتصنيفاتنا المقيتة، وعنصريتنا البغيضة، وحزبيتنا الضيقة، وذكوريتنا البائسة، وتعالينا بأفكارنا وآرائنا على غيرنا، وألا نكون من أبناء “إيه اللى وداها هناك؟ّ!” “تستاهل!”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تحرش, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد