في حقيقة الأمر، إنّي لأشفق حقًّا على «هيلاري كلينتون»، تلك المرأة القوية الذكية الطموحة التي لأسباب مجهولة أحيانًا، مُعلنة أحيانًا، لا نعرف لماذا اختارت الزواج من رجلٍ أقل منها في كل شيء! حتى وصوله إلى الرئاسة كان بسبب عملها السياسي والدؤوب في دوائر الإدارات الأمريكية، ودفعه دفعًا إلى ما تأهل هو إليه لقطف الثمار هنيّة سهلة، فيما تقف المرأة الألمعية في الخلفية تصفق، عشية إعلانه رئيسًا للبلاد.

وتكاد ترى دموعًا ووجومًا لا نفهمه ونتهمها بغلاظة القلب بسببه، فيما يعتمل قلبها بالحسرة العميقة وفلاشات الكاميرات من كل العالم تضوي متوهجة ومتوجةً «الزوج الخايب» رئيسًا لدولة عُظمى. حسنًا، كلنا يعرف تمامًا أن ليس ثمة زوجة لا تحب لزوجها حصول ما كانت هي أصلا تتمناه من نجاحات، لكن بالنسبة لكرسي الحكم فحدث ولا حرج، لست أرى نفسي مكانها إلا وأنا مقتلعة قلبه بيدي، مثلًا!

هيلاري، بالرغم من دعمها له وتفانيها لم تكن بالشباب والحيوية الكافية لمنع غريزة الرجل «البريداتور» من الظهور أمام العلن، وبين ردهات البيت الأبيض للتحرش بالموظفات صغيرات السن مكتنزات النهد، ولولا هيلاري نفسها لماطل في إنكاره المتواصل بعدم وقوع تلك الواقعة المشهورة، لولا حنكة ودهاء سياسي كبير جدًّا تتمتع به تلك المرأة -وهي نفسها التي تمسخرنا عليها كثيرا آنذاك ونحن نشاهد جلسات السماع العلني في الكونغرس عن القضية ذاتها، وقد شعرنا أحيانًا تجاهها بالشفقة، وأحيانًا «يستاهلوا، في داهية» – لكان مستقبلها السياسي كله ممسوحًا بأقذر خرقة مسح فيها زوجها الغبي قذارات شهوته التافهة!

هيلاري عرفت جيدًا أن إنكار زوجها الواقعة وعدم خضوعه لجلسات سماع الكونغرس سيودي بمستقبلها، بكل ما خططت لأجله سنوات وسنوات، بكل جهدها وتعبها ودفعها له وجذبها له من يديه وساقيه كيما يخطو –نيابة عنها– الخطوات التي دومًا ما حلمت بها! هل كانت هيلاري بذلك الدهاء حقًّا؟ هل هناك في العالم من يُتقن ذلك التخطيط «المتعاقب» الهرمي المتتابع في الزمن بهدوء؟!

واليوم، نحن ما نزال نشعر بالشفقة تجاه هيلاري، التي تمزقت بين خيارات بقاء «الأسرة» والزوج الحقير في الحظيرة والحفاظ على بيئة صحية كـ Standard American Family، وهو أيضًا واحد من القياسات المهمة جدًا التي كانت تخطط لها بكل وضوح من أجل صورتها السياسية الألمعية أمام الجمهور الأمريكي، وبين الجنوح  والحصول على الطلاق انتصارًا لكرامتها التي تبعثرت في كل الأروقة والغمزات واللمزات والضحكات والتمسخر وحروب إعلامية شرقًا وغربًا غربلوا فيها «آل كلينتون» جميعًا –بما فيهم كلبيّ البولدوج الأليفين رفيقا نزهاتها في المشي والتدّبر– غربلة إبليس يوم القيامة!

لطالما كان وقوف «هيلاري» –وحيدة تمامًا– في معركة شرسة (لا تقل عن معارك مرمطة الشرف والزيت والسكر المصرية المعروفة) أمام مقاييس الرجل الأبيض الغني للحصول على ما هي آهل له أمرًا شبه مستحيل، وبات يخبو هنالك مرورًا بنفق «معاييرهم» كل يوم، والأسباب في العادة تعود لتعبر في نفق واحد. «زلة الزوج المتحرش»، وها هي، كل نقد تُرسله اليوم تُجاه «المتحرش الكبير» الموجود بالمكتب البيضاوي، تستلم عنه ردًّا أكثر إمعانًا في الإذلال والخِسة، (لم يكن في البيت الأبيض سوى متحرشٌ واحد، واسمه «كلينتون»)!

لم تنجح هيلاري في حصاد حلم عمرها، حلم عملت حتى نُخاعها من أجله، حلم أوصلت إليه من رأت أنه قد يمد يده ليقتطفه أسرعَ منها لمجرد كونه «رجلًا»، وكونها «امرأة».

اليوم علينا حقًّا أن نحترم «هيلاري»، الإنسانة، المرأة الطموحة، الزوجة الواعية، أكثر، فحذاؤها الضيق البائس الذي ارتدته بحكم «الواجب» و«الأعراف» لسنواتٍ طوال، لن تتمنى أي زوجة مخلصة وذكية وطموحة في العالم أن ترتديه!

والآن وفي تلك اللحظة، بصراحة لا أجدُ الكلمات المُناسبة لوصِف أولئك الذين ما يزالون يتندرون على حوادثِ التَحرش التي ضج بها الفضاء الإلكتروني خلال الأسبوع الماضي لتعبر المحيطات والغابات والفيافي وتَصِل إلى كيبورد أحدِهم، وصوت الصرخات والحسراتِ والرُعب الذي يقض مضاجهن –أحيانًا ببول غير إرادي ليلًا كأقل الردود النفسيّة ضررًا– يكاد يَصْم الآذان ثم ها هو يزفر في ضيق، ويقول: السَتر أولى!

سترُ من أولى؟! سترُ الجاني أم المجني عليه؟!

لعلكم قرأتم جميعًا أن حصر ضحايا التحرش لم يقف عند فئة النساء فحسب يا سادة، هي جريمة تُمارس فوق شرف الجميع، فوق أفئدة الجميع، تهتك الجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد