أخذت مني كتابة هذا المقال وقتا طويلا، ليس تكاسلا مني أو نقصا في المعلومات أو المصادر، فالرغبة موجودة والإحصائيات متوفرة على الإنترنت اليوم أكثر من أي وقت مضى لكني عجزت عن الكتابة دون إقحام لعواطفي ومشاعري، لهذا فأنا لا أعدكم بأن ما كتبته سيكون موضوعيا أو محايدا، لكن أعدكم أن كل الحقائق الواردة به صحيحة تماما ولو كانت صادمة.

لا توجد منطقة في العالم اليوم خالية من التحرش فأينما وجد البشر وجد التحرش، فالتحرش موجود في أفقر المناطق كما في أغناها، في أقل المناطق تدينا كما في أشدها قدسية، في مكة المكرمة والفاتيكان كما في لاس فيغاس ومكاو.

ولأننا نتكلم عن التحرش دعونا لا ننسى دونالد ترامب الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية، المتهم بعشرات القضايا المتراوحة بين التحرش اللفظي وصولا إلى الاغتصاب، ومع ذلك هو اليوم يرأس أكبر قوى اقتصادية وعسكرية في العالم، كدليل على فشلنا كبشر حتى في الاقتراب من الحد من هذه الظاهرة.

المتحرش لا يولد متحرشا، بل تتم تربيته على ذلك، بيئته ومحيطه يدفعانه دفعا لأن يكون متحرشا، بالتبرير للمتحرش وجلد ضحيته، هذا التبرير الذي يكون في الغالب من المجتمع يرى في الضحية سببا رئيسيا في التحرش بها، ويرى المتحرش ضحية ومدفوعا بغرائزه وطيش الشباب، مع أن التحرش ليس مقتصرا على سن معين أو حالة معينة، فلا سن المتحرش ولا الزواج ولا المكانة الاجتماعية تزيد أو تنقص من احتمالية أن يكون المرء متحرشا إلا بنسب قليلة، وحده المجتمع والقانون هو القادر على صناعة التحرش ووحده القادر على الحد منه.

التحرش والقانون

يوجد في أغلب البلدان العربية قوانين لمكافحة التحرش، تختلف هذه القوانين في شدتها أو من ناحية الحرص على تطبيقها، لكن المثير للدهشة أن هنالك عدة تيارات تعارض وضع قوانين ضد التحرش، أغلب هذه التيارات محافظة تنطلق من قناعات دينية، ترى أن قوانين التحرش تقنن للاختلاط بين الجنسين، حيث يرى هؤلاء وجوب الفصل بين الجنسين في العمل أو الدراسة أو الأماكن العامة، أو عدم وجوب العمل والدراسة للمرأة من الأساس، وحدث في الجزائر أن قاطع نواب برلمانيين يحسبون على التيارات الإسلامية جلسة المصادقة على القوانين الجديدة الموضوعة لمكافحة التحرش الجنسي والعنف ضد المرأة عموما في حين امتنع نواب عن حزب العمال اليساري عن التصويت.

المتحرش هو النواة الأولى للمغتصب، ليس كل متحرش مغتصب لكن كل مغتصب بالضرورة متحرش، المغتصب هو متحرش واتته الفرصة للقيام بجريمته.

وجود تيارات مناهضة لسن قوانين لمكافحة التحرش مدهش بحد ذاته لكن الأكثر دهشة وإثارة للاشمئزاز، وجود قوانين تحمي المغتصب، وتعفيه من تبعات جريمته، وتعطي للمغتصب حماية قانونية، وكأنها تدعو صراحة للاغتصاب وتحت حماية القانون.

فقبل تعديلها في شهر أبريل الماضي كانت المادة 308 لقانون العقوبات من التشريع الأردني تنص على وقف المحاكمة إذا كانت جارية أو وقف تنفيذ العقوبة إذا كان قد صدر حكم إذا تزوج المغتصب ضحيته، على شرط أن لا يقوم بتطليقها، مدة 5 سنوات بدون “سبب مشروع”.

على سبيل المثال أسقطت في سنة 2012 المتابعة الجنائية عن شاب يبلغ من العمر 19 عاما، قام باغتصاب فتاه كان قد أختطفها أثناء تسوقها في مدينة الزرقاء (23 كلم شمال شرق عمان) واحتجزها في خيمة في منطقة مهجورة لثلاثة أيام واغتصبها عدة مرات قبل اعتقاله. كانت الضحية تبلغ من العمر 14 سنة فقط أي في مرحلة الطفولة، وبتزوجها أسقطت عنه تهمة الخطف والاغتصاب.

وكأن المشرع الأردني أراد أن يقول «اغتصب فتاه بنجاح، وسنكافئك بها لمدة خمس سنوات»

الكثير من الدول العربية لديها قوانين مماثلة، القليل فقط من قام بإلغائها أو تعديلها، ألغتها مصر سنة 1999 فكانت من الدول العربية السباقة لإلغائها ، وقامت المغرب بإلغاء هذه المادة سنة 2014 بعد انتحار الفتاة المغربية أمينة الفيلالي (16 عاما)، هرباً من العيش تحت مظلة الزواج من مغتصبها.

في السودان لا تتقدم ضحية الاغتصاب في الغالب بشكوى لأنها في حال فشلت في تقديم دليل قاطع على تعرضها للاغتصاب سوف تتهم بإرتكاب الزنا، وهو فعل مجرم تحت ظل القانون السوداني وتصل عقوبته للإعدام رجما بالحجارة، وفي الغالب لا يتحقق هذا الدليل القاطع إلى بإعتراف الجاني، وهذا ما يساعد على إفلات المجرم من جريمته.

وحدث أن تعرضت امرأة أثيوبية مقيمة بالسودان للاغتصاب، لكن أنتهى بها الأمر في السجن بتهمة ارتكاب فعل فاضح بمكان عام، رغم إعتراف الجناة بجريمتهم.

وفي موريتانيا لا يفرق القانون بين الاغتصاب والزنا، حيث تعامل الضحية والجاني على أنهما متساويين في ارتكاب الجرم.   وتعاني المرأة في إثبات الجرم أمام القضاء إذ لا بد من إقرار الشخص نفسه بأنه هو الفاعل، أو شهادة أربعة رجال تتحد رؤيتهم لارتكاب الفعل.

لوم الضحية

يعتقد الكثيرون أن المرأة هي المتسبب الأول في التحرش بها، فيرون أن ملابسها، طريقة مشيها، العطر الذي تضعه وتقريبا أي شيء تقوم به المرأة هو دعوة للرجل للتحرش بها، ويرون أن التزام المرأة “باللباس الشرعي” و”الاحتشام” هي السبيل الوحيد لاتقاء شر التحرش، لكن تكرار هذا الإدعاء يساهم في نشر التحرش أكثر، فهو يغرس في عقول الشباب أنه من المقبول التحرش بمن لا يوافق لباسها “الذوق العام”، كما أنه يخرج الحجاب من نطاقه كرابطة دينية بين المرأة وربها إلى أداة مجتمعية ولباس إجباري على المرأة ، كما أن الكثير من التجارب أثبتت أن المتحرش لا يفرق بين المتحجبة وغير المتحجبة، فمثلا أفغانستان الذي تضطر النساء في لارتداء لباس ثقيل بلون موحد يحجب أي أثر للمعالم الأنثوية، تعتبر فيها معدلات التحرش والاغتصاب من الأعلى في العالم.

وعلى عكس ما يعتقد البعض، المرأة لا ترغب أن يتم التحرش بها، فالمرأة عندما تخرج مثلها مثل الرجل تخرج من أجل قضاء غايتها والتزاماتها، وعندما تتزين مثلها مثل الرجل ترغب أن تبدوا في أبهى حلة، جميلة وأنيقة، من أجل نفسها وليس من أجل أن يتم التحرش بها.

التحرش الجنسي ليس إطراء أو مغازلة أو شيء لطيف غير مؤذ. فهو مخيف ومهين يؤثر علي ثقة الشخص بنفسه أو صحته النفسية. فهو يؤثر علي القرارات الناس، يجعلهم يكرهون الخروج وله آثار علي الأسرة بأكملها. أما المجاملة، أو المزاح هو شيء الذي يجعل الشخص يشعر بالسعادة، ويحدث ذلك عندما يتبادل الطرفين ذلك الشعور، ولا يعتبر إطراء عندما يكون طرف واحد الذي يعطي تعليقات جنسية للطرف الآخر.

التحرش الجنسي لا يجعل أي شخص يشعر بالسعادة. ويمكن أن تؤثر بشكل خطير على الصحة النفسية ، ويتسبب في أمراض مثل: الصداع، الأرق ، والكوابيس، وغيرها من الاضطرابات المرتبطة بالتوتر. فالشخص الذي يتعرض للتحرش في كثير من الأحيان يشعر بالغضب، الخوف، الألم، الإحراج والخجل، العجز، عدم لقدرة على العمل، والاكتئاب.

أول خطوة نحو مجتمع خال من التحرش هو التوقف عن محاولة تبريره ولوم الضحية، التحرش جريمة، والمتحرش مجرم، والذي يبرر للمتحرش فعلته شريك في الجريمة فلا ملابس المرأة ولا توقيت خروجها ولا مكان تواجدها يبرر
التحرش، وتذكر أن تجاهل التحرش لن يجعله يختفي من المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد