كتب كارل ماركس بأن «تقدم أي مُجتمع يُقاس من خلال وضع المرأة فيه»، ولا حاجة للتساؤل عن وضع المرأة في مصر، فإذا كانت الأرقام لا تحرك ضمير من يراها – 99% من المصريات تعرضن للتحرش – فربما صرخات النساء وهي تروي قصص الانتهاكات الممارسة في حقها ستغير من واقعهم المظلم، أو هكذا يظن المتفائلون.

منذ الربع الأخير للقرن التاسع عشر، وقضية المرأة تشغل حيز كبير من اهتمام المثقفين وأصحاب الفكر، ولا تزال القضايا التي طرحت على مدار القرن الماضي إلى يومنا هذا تطل برأسها بين الحين والآخر، لم يطرأ تغيير في السجالات الدائرة، فكيف لنا أن نبدأ بالحديث عن توحيد الصف نساء ورجال لتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ولا تزال المرأة محصورة حائرة بين العمل أو الأسرة، السفور أو الحجاب، الدنيا أو الآخرة.

انطلقت النساء بعد أن فاض بها الكيل جراء ما تعانيه من تمييز اجتماعي وسلطة ذكورية، تروي الانتهاكات الممارسة ضدها لا في الشوارع فقط، بل داخل جدران المنزل أيضًا، تحرش واغتصاب، خوف، وقلق من النبذ، والوصم بالعار دون مراعاة؛ لكونها ضحية، والقائمة طويلة والأمثلة أكثر مما يتحملها مجلدات الكتب الضخمة.

كتبت النسخة الأولى من المقال أمس، وما كان ملاحظ عليها منذ الفقرة الأولى أنها محملة بالغضب، والاشمئزاز، والتحقير، يرجع السبب الرئيس لتلك النبرة الحادة إصرار الكثيرين على تعليق المسؤولية الكاملة على شماعة ملابس المرأة، والسؤال لما التسمك بتلك الشماعة السهلة لتعليق المسؤولية.

«لنا الحق في اختيار أقوال الفقهاء التي تستوجب لنا يسرًا، بل لنا أن نضع الحد بأنفسنا بحسب الزمان والمصلحة وضرورة الحياة» – نظيرة زين الدين.

إذا ناقض المرء نفسه، فهو يضع حديثه بالكامل في سلة المهملات؛ إذ يطلق بذلك ثرثرة دون معنى، لكن الكارثة عندما تكون شخصًا مؤثرًا، يملك سلطة اقناع على شريحة كبيرة من المجتمع. في تلك الحالة إذا كان الصمت وعدم دعم الضحية جريمة، فإعطاء مبرر لارتكاب الجريمة ونفي أنك تفعل ذلك لا يبعد عنك التهمة، ولا يظهرك بغير الوحش ينهش بأنيابه ما تبقى من ضمير من يتبعك دون تفكير.

شتان الفارق بين ما يدعيه المرء عن نفسه، وما هو حقًا.

أحد من يَدَّعي أنه علامة يعرف بواطن الأمور، يمكنه الحكم إذا شاء في شتى مناحي الحياة، يشدد لأكثر من مرة على أن ملابس المرأة أحد الأسباب الرئيسة لتفشي وباء التحرش والاغتصاب في المجتمع.

ويكفي أن نشير لدراسة المركز المصري لحقوق المرأة (ECWR) عام 2008 ، حيث كان 72% من النساء اللاتي تعرضن للتحرّش يرتدين الحجاب أو النقاب، وهي نفس النسبة المئوية لمجموع النساء اللاتي ارتدين الحجاب والنقاب في ذلك الوقت.

ما أعرفه أن الحكم على المرء لا يرجع لملابسه ولا طريقة سيره فلم تعد تلك الأشياء تعكس مهنة أو مكانة الإنسان في المجتمع، ومثل تلك المبررات تعطي أعذارًا للجاني على حيوانيته، فعلى الرغم من الذعم بأن ذلك سيحد من المشكلة؛ فإنه يفاقم الكارثة ويشعر المستمع لمثل تلك السخافات بأنه كالحيوان لا يملك قدرة على التفكير والتحكم في غرائزه.

يكتب ديكارت «الإنسان حيوان مفكر» وتعدل حنا آرنت المقولة لتصبح «الإنسان حيوان سياسي»، وفي كلتا الحالتين يجب أن يملك كل إنسان سمات الوجود: النشاط والعمل، حرية المشاركة، القدرة على الولادة الجديدة دائمًا، وخلق مصيره، ولا نجد الإشارة للغرائز؛ لأن الفكر هو العمود الفقري للمجتمع، وهو ما يصيغ حاضره ومستقبله.

إذا كنت أتضور جوعًا وقابلت شخص يتناول طعامه في الشارع، لن تدفعني الحاجة البيولوجية للغذاء للتحرش بطعامه؛ لأنه من غير المنطقي التعدي على حق الإنسان فيما يملك، والسؤال هنا لمن يرتكز على عكاز الغرائز الوهمي، ما أثمن للإنسان أكثر من حرية امتلاك جسده؟

والحقيقة أننا ما زلنا نتعامل مع المرأة كجسد فقط، مصدر للشهوة والإغواء، عرضة للنظر واللمس والضرب والإهانة إذا تطلب الأمر، دون مراعاة لكرامة الإنسان.

يخدع الواهم ضميره، ويحتال على إنسانيته؛ فهو يلتف على شعور الذنب بلوم الضحية، وهي ظاهرة نفسية تعرف باسم تقليل الاستياء (discomfort reduction).

إذا كانت تلك الظاهرة النفسية هي السبب، فبداية العلاج تكمن في الاعتراف بالمرض، فالمرأة ليست الأم والأخت والصديقة والزوجة بالمعنى الذي يتمثل لليمين الراديكالي، لكنها في المقام الأول إنسانًا، وليست فريسة تمشي في الشارع.

ولا يهم ماذا ترتدي وكيف تتصرف، والأجدر أن نقول إنها رفيقة لا تمييز بينها وبين الرجل، ليس هناك نقص ولا زيادة في أحد من الجنسين، فكلنا نُعَرف بوصف واحد وهو الإنسان.

لذلك بالنسبة لنا هنا، من نؤمن حقًا بقضية الإنسان يجدر بنا ألا نظهر أي تهاون بوجه من يسمم أفكار المجتمع، وبالنسبة للمرأة المضطهدة هذا النوع من التهاون هو نفاق في أفضل الاحوال، والنفاق يصبح نذالة وخيانة بأسرع مما تتخيل.

إن ممارسات السلطة الأبوية تجاوزت حدود الأسرة وشملت كافة مناحي الحياة في مصر، وإذا نجحت الحركة النسائية غير منظمة في الحصول على إقرار بوجود اضطهاد دائم يمارس في حقها، فهناك نتيجة أخرى يجب بروزتها في الصورة، وهي أن ممارسات العنف ممنهجة ومدفوعة من رجال دين لديهم نزعة سلطوية وشهية للهيمنة لا تهدأ أبدًا.

أقتبس من الروائية والكاتبة المصرية نوال السعدوي قولها «أنا لا افصل بين تحرير المرأة وتحرير الوطن».

ويأتي هنا دور المحلل النفسي فيلهلم رايش لتوضيح ما يدفع البعض لتبني ما يمكن أن نسميه بالنزعة التدميرية وحب الخراب، فيكتب عن هؤلاء المطالبين باستخدام أدوات العنف لتكبيل حرية الآخرين بأنهم يعانون من «الطاعون العاطفي».

وهذا الطاعون أجزم أنه أشد خطورة وتدميرًا لمستقبل المجتمعات من فيروس كورونا الذي يعصف بالعالم حاليًا، فهما لهما نفس الخصال المعدية، ينتقل كلاهما من شخص لآخر، بل يولد مع المرء منذ الطفولة؛ إذ يشرب ما يكبح رغبته وحبه للحياة وينمو معه كما ينمو جسده بحليب أمه.

دفاعًا عن الشرف والفضيلة تستباح المرأة من قبل المغيبين بفعل تأثير الخطاب الرجعي المطالب بتشكيل المجتمع كله على نفس الصورة.

وصل فيلهلم رايش لاستنتاج مفاده أن المصاب بالطاعون العاطفي لا يكتفي بتبني خطاب معادي للمختلفين في المجتمع، بل يبلغ في السوء أقصاه بدعم وتفضيل الأنظمة الشمولية الغاشمة.

من لا يملك سلطة إقناع مثل رجل الدين المؤثر، هو العنصر المنفذ لأفكاره الرجعية، يعيش عصورًا طويلة بسذاجة، ثم دهشة، وأخيرًا بفزع وخوف.

إذا انكشفت حقيقته أمام نفسه – يطلق رايش عليه « الرجل الصغير» – كيف تألم وتمرد كيف قتل الإنسان بداخله كيف قدس أعداءه، وقتل أصدقاءه، كيف أساء لنفسه بالتوحش ضد مجتمع ومارس نفس الاستغلال، تمامًا مثلما كابده في السابق من طرف بعض الساديين أو أصحاب القرار.

وأختم بمطالب إيما غولدمان عندما قالت «أطالب باستقلالية المرأة، بحقها في أن تعيل نفسها، في أن تعيش لنفسها، في أن تحب من تشاء، أو بقدر ما تشاء.. أطالب بالحرية لكلا الجنسين، حرية في التصرف، حرية في الحب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تحرش

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد