الجزء الثاني

ناقشنا في الجزء الأول من هذا المقال محطات عن التحرش كمفهوم وصيغ متعددة؛ منها ما صاغته المنظمات المدنية، ومنها ما صاغته المجالس الحكومية في صورة قوانين، بالإضافة إلى مناقشة أسبابه ودواعيه؛ الحقيقي منها والمُدعَى زورًا في حق المرأة. هذا غير محاولة ذِكر المنظور المجتمعي الذي يتبناه العامة تجاه هذا النوع من الحوادث، ووجهات نظرهم فيمن يقع عليه الخطأ. وفي هذا الجزء استكمالًا لما بدأناه:

الأبعاد النفسية للتحرش الجنسي على المرأة

تقول مزن حسن – المديرة التنفيذية لمؤسسة نظرة للدراسات النسوية – في مقالة بعنوان «التحرش الجنسي.. اضطراب سلوكي يدعمه خلل مجتمعي» إن ممارسة هذا الفعل تُشعر المعتدي بلذة وقتية، ليس فقط من لمس جسد أنثى أو مغازلتها بكلمات ذات إيحاءات جنسية، بل من فكرة التعدي والقمع، والشعور بالتفوق على مَن لا حيلة له، فكلما انزعجت الضحية وأظهرت امتعاضها وتأذيها من هذا الفعل، شعر هو بمتعة أكبر. أما على الصعيد الآخر فالضحية تتلخص مشاعرها في الإحساس بالإهانة البالغة والدونية، وفق مزن.

وتؤكد مزن أن ما يدعم شعور الجاني ويشجعه على تكرار فعلته، وكذلك شعور الضحية بالانكسار؛ هو رد فعل المجتمع الذي ما يزال – رغم المبادرات العديدة والخطوات التي يقوم بها المجتمع المدني والرسمي لمناهضة هذه الظاهرة – ينظر إلى الضحية على أنها الطرف الأضعف، «هذا الوضع يعكس تمييزًا ضد المرأة، ويجعل العنف ضدها لا ينتهي».

«الخذلان» و«الانكسار» ربما هما الأكثر تعبيرًا عمّا تشعر به المرأة إذا ما تعرضت لهذا الفعل المشين؛ فوضع المرأة في ظروف لا تقدر فيها على المواجهة أو طلب المساعدة، فتضطر إلى ابتلاع دموعها، وكتم ألمها، وغصة كبيرة تحتل صدرها، وكلما تكرر الأمر اتسعت مساحة الألم وغاصت الغصة عميقًا في روحها، وألقت بظلالها على كل مناحي الحياة؛ فتمنع عنها الثقة فيمن حولها وتضع أمامها الحذر، وتعظم المحاذير وتفرض التوجس والتأهب على كل الأحداث. وقد تضطر المرأة إلى أن تستمر أو أن تقبل هذا الوضع، فيجعلها هذا تشعر بالخزي والخذلان من نفسها أمام نفسها، شعور يُعظمه الضعف والخوف. أمّا إن طلبت المساعدة واستنجدت بمن حولها فإنها – غالبًا – ما تُقابَل بسلبية رهيبة، ويخذلها كل من حولها على مختلف مواقفهم، وقد يهاجمونها ويختلقون الأعذار التبريرية اللزجة المثيرة للغثيان كالسابق ذكرها. كل هذا يجعلها تقف وحدها في مواجهة أفكار ومعتقدات ودفاعات لا تعرف من أين تبدأ بصدها، بل ربما تتشكك في أمرها.

أفكر بأن سيادة الذكور للمجتمع على مدار السنين المنصرمة، وسيطرتهم الغالبة (حرفيًّا) على كافة المقاعد الدينية، والسياسية، والاقتصادية، والتعليمية وغيرها، بالتوازي مع غياب المفكرات، والعالمات، والفقيهات المتمكنات والفاعلات، ومَن هن من المفترض أن يعادلن الكفة الأولى قد أدى (ولو على نحو غير واعٍ ودفاعي) إلى الهيمنة الذكورية للأفكار على كافة طوائف المجتمع حتي النساء – للأسف – سأعطيك مثالًا:

– «قيادة النساء سيئة»

انظر بنفسك إلى نسبة جنس السائقين المتسببين في حوادث الطرق، ستجد أن الرجال لهم الغلبة.

(تساءل عزيزي القارئ بينك وبين نفسك كم مرة صادفت سائقًا ذا قيادة سيئة، وماذا قلت أو فعلت، وكم مرة عندما صادفت سائقة ذات قيادة سيئة صاحبها تعليقات مُنصبة على جنسها، وكأن الصبغي X  الثاني لدى الأنثى عليه معلومات مضاعفة من الغباء والفشل في القيادة. هذا وإن دلّ على شئ فإنما يدل على سيطرة ما يُقال ويُصدر لفظيًّا لا ما يحدث فعليًّا).

وعلى الشاكلة نفسها، انتشرت عبارات تبريرية مثل السابق ذكرها عما ترتديه، وعن الهدف من ذهابها إلى هذا المكان وخلافه، حتى ترسخت هذه الجمل في أذهان الأفراد وصارت حاضرة تلقائيًّا لدى أي أزمة تحرش، بغض النظر عن اختلاف ملابساتها؛ ففي عُرف المجتمع المرأة دائمًا هي الشيطان والغواية.

أمّا إذا فكرت المرأة في أخذ الاتجاه القانوني، فالشرح ليس مطلوبًا، وطول السبيل ووعورته معروفة. وفي النهاية والقاعدة إلى الآن خذلان وانكسار إثر التجربة ذاتها وتداعياتها النفسية وممن حولها، وعدم إمكانية أن تأخذ حقها رغم كل ذلك.

«عدم الأمان»

صُنفت القاهرة كـ«أخطر» مدينة كبرى في أنحاء العالم خطرًا على ظروف معيشة النساء، طبقًا لتقرير «بي بي سي».

ونشرت مؤسسة طومسون رويترز «استطلاعًا دوليًّا لآراء خبراء» حول حظوظ النساء في المدن التي يزيد عدد سكانها على 10 مليون نسمة، وشمل البحث 19 دولة، سُئل خبراء منها عن «مدى حماية النساء من العنف الجنسي، ومن العادات الثقافية المؤذية، ومدى وصولهن إلى مستوى جيد من العناية الصحية والتعليم والدخل».

أردت أن أبدأ تلك النقطة بإحصائية وتقرير لئلا يكون الكلام مرسلًا بلا دعائم إحصائية، وربما لو أُجريت إحصائيات حقيقية لكانت مرعبة، لكن ما يزال دفن الرؤوس أمرًا محببًا ها هنا. ففي عقب حادثة التحرش المرعبة لفتاة المنصورة، والتي لا أنوي الخوض فيمن هو المخطئ، إلا أنه انتابني شعور مرعب ظل يتلبسني عدة أيام، وهو أن هذا قد يحدث لي أو لأي امرأة متى تيسر ذلك، وأُتيح لذئاب الشوارع الضالة المنتظرة، لا أعرف سبيلًا لوصف ذلك بدقة قادرة على نقل الأحاسيس المختلطة من حالة عدم الأمان والترقب والحذر، آه من الحذر، لا أستطيع نقل الإحساس لشخص لم يمر بهذا كما يجب، لكن تخيل أنك مع كل لمسة، الله وحده يعلم إن كانت مقصودة أم لا، تنتفض كل حواسك وتنتبه لما يحدث وتتأهب إذا ما كانت ستتكرر، وقد يحدث كثيرًا.

فمزيج الخوف، والترقب، والحذر، والتحفز، والقلق، هو المزيج الرسمي للسير في الشارع، أمّا مزيج الاشمئزاز، والإهانة، والخذلان، والخزي، والألم هو المزيج الأقرب إذا ما انفردنا بأنفسنا فنبكي. نبكي أنفسنا لأننا لم نستطع حمايتها في المقام الأول، ونبكي أنفسنا لأن البكاء الصامت هو الصيغة المقبولة – وربما الوحيدة – عوضًا عن الصراخ في الجاني؛ الصراخ الذي لم نستطعه ولم نقدر على فعله وسط الحدث؛ لأن عِظم وقعه ألجم ألسنتنا، ونبكي لأننا لم ولن نستطع أن نحتكم لكبير، ولا أن يأتي بحقنا شيخ القرية الظالمة. نحن نبكي مصيرنا وحياتنا، ونبكي واقعًا لا نستطيع معه سبيلًا وألمًا ألم بنّا.

هل بعد كل ذلك، هنالك من داعي أو تبرير لذكر أن كل تلك الأمور السابق مجرد ذكرها لا الخوض في عمقها، لأن المساحة لا تتسع لذلك، كل تلك الأمور قد تفضي بشكل أو بأخر للأمراض النفسية بمفهومها الطبي، من قلق واكتئاب وميول انتحارية وغيرها؟! لا أظن، لكني فقط أردت ألا أغفل هذا.

الخاتمة رسائل حقيقة لفتيات تعرضن للتحرش على يد أحد أساتذة الجامعات المشهورة في مصر مؤخرًا، ولأن الحادثة متكررة بشكل مؤذي ذِكر تكراره، سأنقل الرسائل الحقيقية مع إعادة صياغتها بالفصحى:

– لم أستطع أن أحكي شيئًا مما حدث لأهلي؛ فقد كنت أشعر بأنهم سيلومونني كما كنت ألوم نفسي وأخبرها أنني سبب ما حدث… لكن هذا لم يحدث.

– قضيت عامًا كاملًا من المعاناة.. معاناة مشوبة بالقلق والاكتئاب والتوجس، ثم انفجر كل شيء في أثناء حضوري لإحدى الجلسات العلاجية… كان الأمر يشبه أني كنت أغرق طيلة هذه المدة، وهذه هي المرة الأولى التي التقطت فيها أنفاسي.

– بعد رحلة العلاج الطويلة أدركت أن كل ما كنت أحتاجه هو… أن أطمئن.

– لم أستطع أن أحكي لأحد، وتوقعت أن يلوموني كما كنت ألوم نفسي، وأتساءل لماذا حدث هذا لي يا الله… توقعتهم سيلومونني ولن يصدقني أحد، لأنه كان أستاذًا مشهورًا ومحبوبًا، والجميع يثق به، قضيت عامًا كاملًا من ألم لا يُحتمل، وبكاء متواصل، وأفكار انتحارية وإنكار لكل ما حدث. فقدت ثقتي وإيماني بكل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التحرش

المصادر

1-
2-
3-
عرض التعليقات
تحميل المزيد