قد قلن:

«بعد تحرش هذا الوغد بجسدي، كل ما أردته هو أن أغمر جسدي بالماء، شعرت بأني تلوثت وأن شئ ما قد علق بي. شعرت بأني أريد أن أغسله بالماء، بل أنزع عني جسدي لعل هذا الشعور المقزز وهذا الاشمئزار يذهبا عني».

«رغبة عارمة بصفع وركل وسب هذا الحيوان، لا بل الحيوان أرقى وأشرف منه. ورغبة أشد في الاختفاء ولسان حالي يقول «يا أرض انشقي وابلعيني».

«ماذا لو كرهت نفسك. دعني أُفصِّل الأمر، أن تكره جسدك بكل تفاصيله وتضاريسه، تتقزز من نظرات شهوانية كل ما تريد هي أن تُعرِّيك، صدقني لن تفهم، لأنك لو فهمت لن تجرؤ يومًا على حتى التفكير في هذا، لن تجرؤ».

أما بعد،

لا أحبذ المقدمات، وخاصةً هنا، لأنها – في ظني – بديهيات عند التطرق لبعض الموضوعات التي نسمعها والأهم نختبرها ونعايشها يوميًّا ومرارًا، لكن لا بأس بطرح بعض النقاط للتذكرة فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

يُعرِّف المركز القومي لحقوق المرأة التحرش الجنسي بأنه: «كل سلوك غير لائق له طبيعة جنسية، يضايق المرأة أو يعطيها إحساسًا بعدم الأمان».

وفي تعريف آخر فإن التحرش الجنسي هو تنمر أو إكراه على فعل جسدي، أو وعد غير لائق أو غير مرحب به بمكافآت مقابل خدمات جنسية. وفي القوانين الحديثة يعد التحرش الجنسي غير قانوني.

ويمكن أن يتضمن «التحرش الجنسي» التلميحات الجنسية، أو طلب خدمات جنسية، وأي مضايقات لفظية أو جسدية لها طبيعة جنسية. وتختلف عقوبة التحرش القانونية باختلاف السلطة القضائية في كل دولة.

أمّا عن التوصيف القانوني، فحتى عدة سنوات قريبة مضت، لم يكن هناك تعريف أو عقوبة واضحة في الدستور المصري – مثلًا – عن التحرش الجنسي إلى أن أصدر الرئيس السابق عدلي منصور قانونًا يصف التحرش الجنسي بأنه: «التعرض للغير فى مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة، أو بالقول، أو بالفعل، بأية وسيلة، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية».

تُرى ما إحساس امرأة تحيا في ظل سلطة لا توجد بها عقوبة واضحة لجرم التحرش بمضاعفاته الجسدية والنفسية وغيرها إلى عام 2014، مع أزمة تفعيله الممتدة إلى وقتنا هذا؟

إلى هنا، هي مجرد توصيفات لمجموعة من السلوكيات قد تتخذ شكل كلمات غزل صريحة أو مبهمة، مثل الإشارة إلى جمالها أو مفاتنها، أو ملابسها أو غيره، إلى اللمسات غير المتعمدَة (ظاهريًّا) أو متعمدَة، أو طلب أفعال بعينها وغيره. وهناك بين قوسين تلميحات وإيماءات وإشارات لا تتخذ صيغة واضحة وصريحة يمكن اتخاذ إجراء ضدها، في حال توفر بيئة داعمة لذلك.

وبالحديث عن الأسباب وللتقريب نقول: من البديهيات في الطب مثلًا أننا نركز في العلاج على «المرض» وليس «العَرَض» فقط، فالعَرَض هو الصورة النهائية والظاهرية لمرحلة طويلة، وسلسلة ذات خطوات متعاقبة ومتداخلة ومركبة، أدت إلى ظهور هذه الصورة النهائية التي تراها من المرض. ويروق لي أن أصف التحرش بورم خبيث مستشرٍ وممتد وله مضاعفات وثانويات تلقي بظلالها السيئة والخبيثة على كل أعضاء الجسم (المجتمع). فلا تكاد تسلم منه خلية، ولا يكاد يخلو منه (بيت) إن كان قاطنه الجاني أم كانت الضحية، أو ربما يحيا الاثنان معًا تحت سقف واحد.

وبالعودة للتحرش فتعددت أسباب تفشيه في المجتمع بجميع أطيافه، ولكن يبقى دفن الرؤوس في الرمال وإلقاء اللوم على الضحية (كعادة معظم المجتمعات العربية – خصوصًا – في إلقاء اللوم على المرأة بوصفها الطرف الأضعف في المشكلات الاجتماعية وعلو صوت الذكورية) هو الصورة الأوضح، ورد الفعل الأسهل، والعامل المشترك في كل حوادث التحرش من قبيل السؤال الأبدي «وهي إيه اللي وداها هناك؟»، أو ربما الحجة الأشهر التي نبرر بها «انظر إلى ما ترتدي». (تخيل شعور امرأة تحيا في مجتمع هي المتهم الأول والأخير في حادثة كهذه).

لاحظ معي سيدي القارئ وسيدتي القارئة أنني لم أقفز مباشرةً إلى الأسباب – والتي تحفظها/ تحفظينها عن ظهر قلب – وإنما ألفت الانتباه إلى الأسباب التي تُصدَّر فعليًّا على الساحة وإلى العامة حتى نبرر، فقط نبرر، وننهي الموضوع وقتيًّا وتوًّا، وأمام عين الضحية عندما يصرخ فيها أحد المارة، أو ربما المرأة في المقعد المجاور، والتي هي من جنسها نفسه، لتخبرها صارخة: «انظري إلى ما ترتدينه يا فتاة، بالطبع أنتِ من أغراه».

تسمع هذا حتى لو كانت ترتدي البرقع!

أمّا الآن نعود لسرد الأسباب المتعارف عليها، والتي على وضوحها مُنكَرة ومتجاهَلة من قِبل صانعي القرار، مع محاولة مراعاة ترتيب أهميتها وتأثيرها في استشراء هذه الظاهرة قدر ما تيسر:

أولًا: ثالوث الفقر والجهل والكبت:

في الحلقات المفرغة التي تشمل عدة عناصر يُفضي أحدهم إلى الأخر ويغذيه، تستمر الدائرة دائرة إلى ما لا نهاية.

وفي حديثنا هنا تفضي عناصر الثالوث المعنون سابقًا إلى الأخرى، ونظل ندور في فلك ضيق من الفقر الذي يحد – في الأغلب – عن الخروج لطلب العلم والتثقف، وزرع أخلاق ضابطة لنفس الفرد، واختبار مناحي أفضل من الحياة، بالتوازي مع نشأة الفرد في بيئة غير سوية لا تقوّمه، ولا تحفزه نحو الصحيح جهلًا به أصلًا، أو كونه مقبولًا في هذه البيئة، مما يفضي بدوره إلى الجهل، والذي يعزز بدوره أيضًا الفقر، ويصبح أحدهما محفزًا قويًّا للآخر.

ثم تأتي النقطة التالية، مع وجود غرائز طبيعية، ولكن مع عدم فهم واضح لآلية عملها وتوفر سبل الزواج لضيق ذات اليد (الفقر)، والجهل الذي يضيق مدارك الشخص، فلا يجد سبيلًا لا لتحسين ظروفه والزواج، ولا لتصريفها بشكل صحيح (مؤقتًا) بالرياضة على سبيل المثال لا الحصر، فنصل إلى نقطة الكبت والتي مع سابقتيها، ومع عدم وجود رادع (داخلي أو خارجي) يتجه الشخص بتصريف غرائزه بهذا الشكل، وإلى آخر المدى الذي يستطيع الوصول إليه، دون أدنى إدراك لعواقب فعله على ضحيته وعلى نفسه.

أتعرف ما الأسوأ؟ أن يبرر شناعة فعله، وأنه بذلك يقوم بعمل جيد بأن يوبخ الضحية (بطريقته) حتي تتعظ وتعود لرشدها (تبرير حادثة تحرش حدثت أمامي من بائع متجول لم يتجاوز السادسة عشر).

وبين قوسين العواقب الرادعة غير مفعلة وهذا تالٍ، ولكن لا يمكن إنهاء هذا دون ذاك.

ثانيًا: غياب الرادع:

قالوا قديمًا «من أمن العقوبة، أساء الأدب».

– الرادع الخشن:

في مجتمعات الدولة القومية الحديثة تقوم المؤسسات النظامية بدور الرادع الخشن، ممثلة في الهيئات الشرطية والقضائية، من خلال تفعيل القوانين التي تسنها المجالس التشريعية متجسدة في نواب عن الشعب، والتي من المفترض أن تشمل حصة لا بأس بها للمقاعد النسائية، والتي أسفر الإخلال بها عمّا سبق ذكره، وهو تأخر صدور قانون يجرم التحرش ويعرض عقوبة واضحة حتى 2014 في مصر، وهذا ما يُذكر على سبيل المثال لا الحصر، بالإضافة إلى غيرها من القضايا المُهمَلة والمتجاوز عنها إلى الآن في المجتمع المصري، والعربي بشكل عام فيما يخص قضايا المرأة.

لكن يبقى سَن القوانين شقًّا، وتفعيلها الشق الأكبر، وهو ما ما يزال يمثل أزمة كبيرة في المجتمعات العربية إذ يُصنف التحرش – في عرف المجتمع – بـ«الفعل العاكس» إذ إن الجرم – في كثير من الأحيان  – يُلقى على المرأة (المفعول به)، وأنها السبب، إلى آخر السرديات والتبريرات المعتادة، ومن ثَم تُعكس الأمور فتصبح الضحية الجاني، ويُبرر للجاني وهو الفاعل الأصلي.

وللأسف تشارك المرأة في تعظيم هذه الأزمة التفعيلية للقانون.

وللمرأة في ذلك عذر لا نملك ضده حكمًا، ولا نستطيع له إنكارًا؛ فهي مثلًا إن أعلنت أنه قد تُحرش بها فإنها تُقابَل بإنكار الجاني وتهديده لها، حسب ما تكون صلة المعرفة به، إن كان مديرها، أم زميلها، أم غيره وبحسب نفوذه، بل ربما اتهمها بأنها من يسعى خلفه ومن يحاول إغواءه، ومهددًا لسمعتها في كل الحالات. وإن طلبت المساعدة أو صرخت طلبًا للنجدة ثبطها من حولها وهددها، وإن أصرت وأثبتت برروا بأنه «لم يقصد»، أو «لقد فهمتي الأمر بشكل خاطئ» أو «هل ستضيعين مستقبله لأجل فعل كهذا» (لعنة التهوين والاستخفاف)، وإن أصرت وسلكت المنحنى القانوني انهمرت عليها التهديدات التي قد تصل لتشويه وجهها بماء النار.

عينات كهذه لا تثير في نفس سوية مدركة لعِظم جرم التحرش وانتهاك حرمات الأجساد والأعراض سوى الغثيان ورغبة أشد في جعل هؤلاء يتقيأون كل هذه الأفكار والمعتقدات والتبريرات الحمقاء، لعلهم يتعافون، ولكن هيهات؛ فالبون بين ظن وقع الفعل وعواقبه الحادثة فعلًا شاسع.

الرادع الناعم:

يقول الشاعر: «وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه».

في مجتمعات تسودها معتقدات التكافل وروح الجماعة، وتدرك أهمية الأمر بالمعروف وحث الأفراد نحو الجيد، وإنكار المنكر والخطأ، بالتوازي مع تشجيع قيم أصبحنا نراها اليوم عملة نادرة مثل الشجاعة، والرجولة، والشهامة، و«الجدعنة»، يصبح حث الأفراد على قيم حميدة معينة هو الأصل مع مراعاة التنوع وتغطية كافة الجهات وسد الثغور؛ فغرس وتفعيل المُثل العليا في الأفراد منذ الصغر وتشجيع الروحانيات، ومراعاة الله في كل الأفعال ومراقبته، تهذب نفسية الإنسان وتردعه عن الخطأ. لكن هذا لا يحدث الآن كما يجب، ومعتقدات وأفكار البيئة فاسدة حد العفن. فهناك أفكار مغلوطة معينة تُغرس في أذهان الرجال منذ الصغر تجاه النساء، تبرر لهم ما يفكرون به وما يفعلونه؛ بدايةً من التشجيع البسيط للأطفال الصغار إذا ما لاعب فتاة أو تحرش بها (بشكل طفولي)، أو إذا ما صدر منه شيئًا تجاه زميلاته بأنه «راجل»، والرد معروف كما في الحادثة الشهيرة التي قال فيها ولي أمر التلميذ «اللي عنده معزة يربطها»، فتلك هي الصورة التي ترى بها بعض فئات المجتمع (غير القليلة) النساء، وتلك هي العبارات الموجهة إليهن إذا ما تعرضن لأي حادث أيًّا يكن، وفي أي مرحلة عمرية. وهنا لنعد ونسأل سؤالًا استنكاريًّا بحتًا: هل تلك الفتاة الصغيرة حقًا مذنبة؟

– الصياد عمره ما بيفكر فى الطير اللى وقعه كل همه فى الصيد الجديد.

– دايمًا العصفور هو اللى غلطان والصياد معلهش لوم.

«فيلم «دعاء الكروان»

مبرر أن الرجل لا يعيبه شيء، وأن ما يفعله لا يسيء بالضرورة إليه، وكل الرجال هكذا، إلى آخره مما يبيح له ذلك، ويستمرئ المجتمع الذنب مما يؤدي إلى فعل ما يحلو له، مع التأكيد الدائم الملازم لكل حادثة بأن الخطأ ليس خطأه، وأن غريزته هي من تفعل به هذا، وكأن الرجل مغيب تقوده شهوته ولا سلطان له عليها، وأن المذنب الوحيد هنا هو تلك الفتاة أو المرأة التي أثارته، وأنها السبب وراء كل هذا.

أتعرف ما الأسوأ هنا، أن يكون المبرر امرأة.

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

-
عرض التعليقات
تحميل المزيد