على الهامش: «من أمن العقاب أساء الأدب».

منذ يومين، تعرضت سمية عيد «فتاة المول» لجريمة بشعة من قبل المتحرش الذي اعتدى عليها قبل سنتين، وانتهك خصوصيتها، وانتهك جسدها، فمنذ سنتين كانت عقوبة المتحرش هي الحبس مدة أسبوعين وكفالة 100 جنيه، فتلك هي عقوبة المتحرش في بلدنا. فيخرج علينا نفس المتحرش من يومين ويعتدي على نفس الفتاة لكن تلك المرة بآلة حادة ليطعنها بسكين في وجهها، ويترك جرحًا غائرًا طوله 20 سم!

ماذا ستكون العقوبة هذه المرة؟! ربما تكون العقوبة لتلك الفتاة التي تركت بيتها وخرجت إلى أحد الشوارع فتقابل قدرها السيئ! لا عقوبة للمتحرش هنا ولا عقوبة لأي شخص يعتدي على امرأة، ومن ذا الذي سينفذ عقوبة ضد المتحرش والمسئولون عن الأمن والأمان متحرشون بطبيعتهم! لا عليكم من كل هذا فالتقارير والأبحاث جعلت من القاهرة من أكثر مدن العالم خطرًا على النساء، وربما تكون الوحيدة!

 

فأصبح التحرش ضرورة لأولئك الشبان الذين ليس في عقولهم سوى المرأة، وليس في خيالهم سوى هوسهم الجنسي بالفتيات، وربما لتفريغ كبتهم وطاقاتهم المخزنة في بلدنا الضائع. ونتيجة لكل هذا أصبحت مصر تحتل المرتبة الثانية في العالم في نسبة التحرش، وليس في العلم أو الاقتصاد أو الصحة، فقط الشيء الذي نتفوق فيه على مستوى العالم هو التحرش!

أصبحت المرأة تعاني أشد المعاناة؛ فهي لا تستطيع أن تمشي بكامل حريتها وتشعر بالأمان، وبعضهن لا يستطيع أن يتفوه بكلمة واحدة ضد المتحرش خوفًا من الفضيحة التي قد تتسبب لهن، ولا أعلم أية فضيحة هذه؟! أنا أعلم أن الفضيحة من المفترض أن تكون لذلك المتحرش وليس لها! لكن في بلادنا العكس هو السائد، والعار هو الذي يلحق بالفتاة، والمتحرش يتباهى بفعله، ويكون حرًّا طليقًا لا يلومه لائم.

والتحرش هنا في تطور مستمر؛ من تحرش لفظي إلى اللمس إلى آخره، والتحرش اللفظي لا يكون بمعاكسات يبدو في ظاهرها اللطف كما في الماضي، فالتحرش اللفظي الآن يكون بعبارات جنسية فجة! ولكن ما السبب وراء التحرش؟!

البعض يقول إن السبب في ذلك هي ملابس المرأة المثيرة للرجال، ولكن بنفس المنطق إذا كانت ملابس المرأة سببًا في التحرش بها فإن السيارات الجميلة أيضًا تكون سببًا في سرقتها، وتكون الهواتف المحمولة ذات التقنية العالية سببًا في سرقتها هي الأخرى، وهناك آخرون يقولون إن السبب هو انعدام الأخلاق ووصول البعض لمنحدر أخلاقي لا يمكن قبوله، وأنا من أنصار الرأي الثاني، فهناك الكثير من المنتقبات والمحجبات تم التحرش بهن، وهن لا يغطين أجسادهن فقط بل يغطين شعورهن ووجوههن.

كما أنه نفس المتحرش الذي يذهب إلى بعض الدول الأوروبية ويرى النساء وكأنهن عاريات ولا يستطيع أن يفعل فعلته هذه لسبب بسيط، قانون رادع لهذه الجريمة، وأيضًا لأن العقل الجمعي هناك يرفض كل هذه الأفعال، أما العقل الجمعي في مصر أو في الوطن العربي هو لا يرفض هذه الجريمة، وإن رفض فعلها فهو يبررها!

وأغرب ما في الأمر أن أغلب المجتمع لا يدافع عن تلك المرأة المتحرش بها، لكنه يلومها ولا يلوم الجاني، ونسمع بعض العبارات على شاكلة «هي إيه اللي نزلها من بيتها أصلًا»، «أنت مش شايف لابسة إيه مهو ليه حق»، وكأن المجتمع أصبح يمارس رقابة أخلاقية على الآخرين، بل ويعطي شرعية للمتحرش في ذلك. والمتحرش يدافع عن نفسه بأنه مكبوت جنسيًّا، فعليه أن يفرغ رغبته في هذا الفعل، وكأنه أصبح حيوانًا لا يستطيع التحكم في نفسه وفي شهواته، وكأنه جعل جسدها ملكية عامة عليه أن يفعل به ما يشاء!

ولكن الدولة أيضًا لها دور في هذا، فتلك الدولة التي نجد جنودها وعساكرها وأمناء الشرطة يتحرشون بالفتيات ويرفضون تحرير المحاضر ضد المتحرشين، ويماطلون في التحقيقات ولا يناصرون الحق أو الفتاة المتحرش بها، فماذا تنتظر من المواطنين العاديين إذن؟!

تلك الدولة التي تجعل المرأة سلعة في الإعلانات كي يحصل على أكبر عدد من المشاهدة، ولكي يتم التسويق للمنتجات. تلك الدولة التي يمنع وزراء التربية والتعليم فيها الاختلاط في المدارس، تلك المرأة المستغلة من قبل الدولة ليس من المنتظر أن يتم الدفاع عنها أو الوقوف بجانبها، لكن عليها هي أن تقف بجانب نفسها وتدافع عن حقها.

والمرأة هي الأخرى بدورها تضيع حقها، خاصةً النساء اللواتي تخطين الثلاثين من عمرهن فتجدهن ينظرن إلى أجساد الفتيات ويتفحصن النظر في كل جزء من جسدهن، ويأخذن وقتهن في تفصيص أجساد الفتيات ويتغزلن فيهن، وإذا تعرضت إحداهن للتحرش تجد المرأة أول من تهدر حقها وتسامح المتحرش، ولكن إذا سرق منها هاتفها سرعان ما تذهب بالسارق إلى أقرب قسم شرطة وتنهال عليه بالسباب واللعنات! أيضًا التيار الديني الذي صور المرأة فتنة، وأنها عليها أن تلزم بيتها ولا تخرج منه حتى لا توقع الشباب في الفتنة، والذي يصور لك المرأة المحجبة كقطعة حلوى مغلفة، والأخرى الذباب يقف عليها لأنها سافرة!

كل هذا له دور كبير في جرائم التحرش، فكل هذا يرسخ في عقول الشباب ربما منذ النشء أن المرأة ما خلقت إلا للجنس وفقط! فعجبي لمجتمع يدعي أنه مجتمع محافظ أخلاقيًّا، ويفعل كل نقيض لقوله هذا في كل وقت وحين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التحرش
عرض التعليقات
تحميل المزيد