لم تكن المحاولة الانقلابية الفاشلة على النظام الديموقراطي في تركيا ليلة 15 إلى 16 من يوليو الماضي حدثا منعزلا، فقد انتمت لسياق قبلي وبعدي، تتجاوز أهميته الحدث ذاته الذي حظي باهتمام واسع على الصعيدين الإقليمي والدولي، لأن الحدث نفسه هو عبارة عن كاشف للمبادئ والخلفيات، فيتجلى من خلال المواقف والتفاعلات اللحظية الصديق والخصم، الصادق والانتهازي، الديموقراطي والمستبد، الوطني والطائفي وغيرها من الثنائيات، أما المعاني السياسية العميقة المؤثرة في سلوك الأحداث والمنبثقة عن لغة الأدوار والمصالح فلا تظهر إلا من خلال السياق.

وهنا وجب التأكيد أن فهم السياق هو قضية تحليلية شاملة مادتها المعطيات الموضوعية ولا علاقة لها بالتفسيرات المتشعبة عن نظرية المؤامرة التي تنتجها عقول سطحية بناء على نتيجة الحدث قائلين: إن محاولة الانقلاب مسرحية مدبرة بينما كانوا في الطريق للاحتفال لو نجحت العملية، مقدمين بذلك مثالا حيا عن أشكال السقوط القيمي من جهة الموقف والسقوط السياسي من جهة الفهم القاصر والبدائي.

عندما نحلل ما جرى ويجري في تركيا، لا بد أن نقف طويلا عند مسألة الرهان كعنوان سياسي عام للسياق المحيط بمحاولة الانقلاب الفاشلة، لأن الدولة الباحثة عن دور إقليمي يتماشى مع طموحاتها القومية ستكون مجبرة حتما على خوض جملة من الرهانات الصعبة في منطقة حبلى بالمشاكل والتعقيدات ومليئة بالمتنافسين وأصحاب المشاريع قريبة وبعيدة المدى، وعليه فمن الطبيعي أن تواجه دولة مثل تركيا تحديات داخلية وخارجية من هذا الشكل، خصوصا إذا علمنا من جهة بأن الواقع السياسي التركي قد حقق قفزة نوعية للانتقال نحو دولة مدنية ديموقراطية تتجاوز عقدة الهوية الأيديولوجية، لكن نضجه لم يكتمل بعد بدليل أن النموذج الدائم لإدارة الدولة الديموقراطية القومية لا يزال عرضة لاختراقات مصدرها خطوط الانقسام العميقة في المجتمع التركي ضمن مشهد مركب بين دولة عصرية تستكمل بناءها ودولة موازية وأخرى عميقة تبحثان عن الفجوة المناسبة للخروج إلى السطح، ومن جهة ثانية، إن السياسة الخارجية التركية تحاول التأقلم مع المتغيرات بالمزاوجة بين الرؤية القائمة على تصفير المشاكل وتنسيق الجهود حول الأخطار المشتركة والرؤية الباحثة عن أدوار متقدمة، وتحاول كذلك الوصول إلى ضفة الاستقلالية بتنويع المسارات، مسار التحالفات التقليدية تارة ومسار الشراكات الجديدة والمتناقضة تارة أخرى.

إن فكرة الرهان تتضح عندما نقوم بالموائمة بين تلك الخصائص الداخلية والخارجية للواقع التركي الحالي بالنظر إلى الروابط التي تجمعها، فعندما بادر الرئيس التركي قبيل محاولة الانقلاب بالانفتاح على عناصر من الدولة الأتاتوركية العميقة، وتخفيف التوتر المدني-العسكري لتحسين العلاقة مع روسيا بعد شعوره الخذلان من الحلفاء الغربيين، فهو قد راهن بتقليل الاعتماد على شراكته المبدئية مع أمريكا والغرب من أجل تنويع خياراته والاستعداد لمرحلة جديدة من الأدوار المتقدمة دون خطر الصدام المدمر، وكانت النتيجة شعور الدولة الموازية التابعة للداعية فتح الله كولن بأن هناك فجوة لا بد من المسارعة لاستغلالها أملا في تقويض التوجهات الاستقلالية لأردوغان بالضربة القاضية، للحفاظ على النموذج التركي المطلوب أمريكيا القائم على الاهتمام بالجانب الاقتصادي والتنسيق الأمني، لمحاربة الإرهاب وعدم التدخل في القضايا الحساسة دون تلقي إشارة، وقد تجسد هذا النموذج على مدى سنوات عبر التحالف بين الحزب الحاكم وجماعة فتح الله كولن لتحييد صقور الدولة العميقة وتحقيق طفرة اقتصادية جعلت من تركيا أحد أبرز حلفاء أمريكا، لكنه بدأ في التهافت منذ نهاية 2013 بالتزامن مع بروز الخلافات الأمريكية التركية، حول التعامل مع الأزمة السورية، هذه المعطيات تفسر توقيت المحاولة الانقلابية وطريقة تنفيذها الركيكة والمتسرعة التي سهلت من عملية إفشالها، ومنحت أردوغان فرصة ذهبية لتفكيك الدولة الموازية في جو من التفاهم مع النخبة السياسية العلمانية خصوم الأمس، غير أن الرهان على تطهير المؤسسات من عناصر فتح الله كولن الإسلامية لتصميم نموذج جديد يتمحور حول رئيس قوي ذاتي القرار، قد يفتح المجال أمام فراغ ستملؤه الدولة العميقة، خصوصا إذا أدت عملية التطهير إلى إضعاف القوة العسكرية التركية في ظل تحديات أمنية كبيرة، ليس أقلها التمرد الكردي وعنف «الدولة الإسلامية». ومن هنا فإن احتمالات انقلاب آخر تقوده عناصر أسهمت في إخماد الانقلاب الأول لا تبدو مستبعدة وبتشجيع مباشر من أطراف دولية هذه المرة، ومما لا شك فيه أن الرئيس أردوغان سيسعى لسد الفراغ بطريقته الخاصة، ليمضي قدما في مشروعه للسيطرة على منظومة الحكم، كما سيبدي خصوم الدور الإقليمي التركي رغبتهم في إبقاء تركيا ضمن دوامة اضطرابات تبعدها عن الساحة وتبقيها في حالة انشغال داخلي واستهلاك إجباري لحلول لا تتناسب مع طموحها، وبين المآلين فإن نتيجة هذا الرهان الصعب المستقبل السياسي التركي ومكانة هذه الدولة في المنطقة ومنحى علاقاتها مع القوى الكبرى.

وفي الأخير، ثمة عامل في غاية الأهمية لا يجب أن نغفله، وهو الشارع حيث إن هبته القوية للدفاع عن دولته العصرية الديموقراطية ستعطل التفكير في الانقلاب القادم الذي تحدث عنه روبرت فيسك ومساهمته في إنضاج المشهد ستقلل الفجوات المحتملة، الإرادة الشعبية هي الثابت الوحيد فلا ينبغي تجاوزها أو المزايدة عليها

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد