تجربتي مع ويليام فولكنر وأحمد حمادي

لست متيقنة بعد إذا ما أطلق مصطلح الأدب الصعب كمصطلح أكاديمي قابل لنقاش بين النقاد أم لا؟ حقًا لست أدري، لكن بالرغم من ذلك أجدني أكتب عن الأمر واضعة برأسي كل ما مر بي من قراءات ومراجعات سابقة في فن الرواية.

يمكننا هنا أن نقسم الرواية الى قسمين رواية سهلة وبسيطة في متناول الجميع ورواية صعبة وغامضة موجهة لنوعية مختلفة من القراء، والصعوبة والغموض هنا لايكمنان في تلك الشفرات والألغاز البوليسية والجرائم، فهذا شيء آخر، بل نحن في صدد الحديث عن صعوبة النص الأدبي من الناحية النفسية والذهنية، ذلك النص الذي يثير العواطف الذي يشغلك لدرجة التعب المضني لتواصل المسير في اليوم التالي محاولًا فك فلسفة الكاتب، وكأنك تتساءل في كل مرة

ماذا يحاول الكاتب أن يقول هنا!

في الأدب الصعب الكاتب لايقدم تلك الانفعالات وسيل الأفكار بشكل مباشر يفهمها العام والخاص، لا يقدم تلك المشاعر بسهولة، وهذا الأمر ليس مقصودًا من الكاتب، بل متعلق بكيانه وطريقة طرحه العفوية والتلقائية، ويمكنني أن أصفها بالفطرية أيضًا التي تجعلك تركز، وتركز، وتركز.

أعتقد وبشكل كامل أن رائد هذا النوع من الأدب هو الكاتب الأمريكي ويليام فولكنر الحاصل على جائزة نوبل للآداب.

يقول توفيق الأسدي عن تجربته الخاصة في ترجمة رواية «بينما أرقد محتضرة» للكاتب العالمي ويليام فوكنر «كان ذلك أشبه بمن يصعد جبلًا وهو يحمل كيسًا ثقيلًا من الحجارة، وله ساق عرجاء، كانت ترجمة كل صفحة من صفحاتها أشبه بمخاض يفرض علي أن أرتاح أيامًا بين الصفحة والأخرى، وهذا ليس أمرًا غريبًا أبدًا لأن رواية «بينما كنت محتضرة» من أصعب الروايات على الفهم، وأكثرها غموضًا، فليس سهلًا أن تقرأها لثلاث ساعات متواصلة دون أن تشعر بالإرهاق اللذيذ، إما أن تخرج منها منتصرًا ومتشبعًا بروح الشخصيات أو أن تخرج خاوي الوفاض مكتفيًا بجماليات النص، أو قد تتوقف عن قراءتها لفترة لتعود إليها مجددًا.

بالإضافة إلى فولكنر نجد أيضًا الكاتب الجزائري أحمد حمادي في روايته «حفاة على الجمر»، وهذا بعد صراعي النفسي اللذيذ مع أحداثها، كان الأمر بمثابة صراع مع الأمواج، انتهى بي المطاف وأنا غارقة في الزمكان في حقبة ما بعد الاستقلال في إحدى الأماكن في الشرق الجزائري.

اعتمد الكاتب على تقنية «تداعي الذاكرة سيل الوعي» من خلال نقل سلوكات الأشخاص بصيغة داخلية ذهنية يرصد من خلالها تقاليد الناس، عاداتهم أفكارهم النمطية التي أثرت عليها حقبة الاستعمار الفرنسي، الدين، الهوية، براعة الوصف، إضافة إلى استخدام اللهجة العامية في السرد الذي أضفى الواقعية في الأحداث وفلسفة الصراعات النفسية التي لا تنتهي.

كل من فولكنر وأحمد حمادي مارسا طريقة الضغط الممنهج في جعل القارئ يفسر ويحلل بنفسه مسار الأحداث ليمارس جهدًا مضاعفًا في قراءته وتحليله لغموض الشخصيات؛ ليصل إلى الفلسفة الكامنة وراء النص الأدبي، هذا النوع من الأدب الراقي ليس سهلًا ولا بسيطًا وهو موجه إلى فئة معينة، فئة نهمة وصعبة الذوق. فئة لا يمكنها أن تكتفي برواية عادية وبسيطة وسهلة أحداثها واضحة، وأشخاصها أيضًا، فئة تهتم بتفكيك الذات أكثر من اهتمامها بالحدث نفسه، فالرواية الصعبة ليست مجرد قصة عادية يمكن أن تتحول بسهولة إلى مسلسل تلفيزيوني أو فيلم تراجيدي.

إذا فكرت يومًا بأن تحولها إلى حدث ملموس، فعليك أن تختار ممثلين محترفين يتقنون الأدوار النفسية الصعبة بامتياز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, صعب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد