يقول الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو: بالنسبة للإنسان الذي لم يعد لديه وطن، تصبح الكتابة مكانًا له ليعيش فيه.
للأرض التي لم تسعنا يومًا، وبات حبُّنا لها أكبر من أن تحتويه فتظل تحاربنا وأبت إلا أن نكون بلا مسكن لتعيش فينا ولا نعيش فيها، بلا إنتماء بلا هوية.. ولم تكتفِ بل تسكن داخلنا، فلا هي أعطتنا حق الوطن ولا تركتنا ننعم بحياتنا بعيدًا عنها، هل يكون الحب بكل هذه القسوة؟!

الهوية هي شريان الحياة، ليست فقط هوية الاسم، ولا حتى الوطن، بل هوية الأمة سُموَّها ومكانتها ومبادئها وقوتها وعزتها وإثبات وجودها بلغتها ودينها، فأين هي هويتنا اليوم؟!

أما عن الوطن فبلاد الشام تنزف كل يوم وهُجرت مدنٌ عن بكرة أبيها وما فاجعة حلب ببعيدة، ومصر الكنانة التي ذهبت حضارتها وقُتل فيها آلافًا مؤلفة، واليمن وصراع المحاربين وموت الشعب، والعراق ودونها الكثير وما أصابنا لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل فحالنا ينطق من تلقاء نفسه.

ضاع الأقصى على حين غفلةٍ من أهله (العرب)، فهم بالكاد مشغولون بما حلَّ بهم من لُجَّة فلا يعطي البذل فاقده، أحيانًا أعتقد بأن ما حدث بنا ليس كثيرًا فنحن خذلنا قبلتنا الأولى ومسرى خير الخلق، فأشربنا الله من نفس الكأس.

ولكن ما يقلقني حقًا أن تصبح الحروب عادة لانستطيع التعايش مع سواها !، ونشرة الأخبار بدون دم فهي ناقصة لا تكمل، أخشى أن يأتِ يوم ونشاهد القتل كأنه أحد أفلام الأكشن المثيرة، مجرد نشوة مشاهدة تنتهي بعد انتهاء المشهد!وأما عن اللغة فشباب اليوم يُبشر بغدٍ حالك تتصدره «هاي وميرسي وثانكث» عذرًا لوثت مسامعكم بلغة الغرب، أو بالأحرى سوري!

مما أضحكني من شدة الحسرة قراءة مثل هذا في تاريخ الأندلس:
كان (بول الفاريز) أحد قساوسة منتصف القرن التاسع ينظر إلى شباب أوروبا الذي يتسرب من ثقافته بحسرة، واضعًا رأسه بين كفيه ويقول: إن المسيحيين يحبون قراءة قصائد العرب ورواياتهم، أين هو الشخص العادي الذي يقرأ الكتاب المقدس باللاتينية، أو يدرس سير الأنبياء والقديسين؟ يا للخسارة، إن جميع الشباب المسيحيين الموهوبين يقرؤون الكتب العربية ويدرسونها بحماس، يجمعون مكتبات هائلة بتكلفة ضخمة، ويحتقرون الآداب المسيحية كونها غير جديرة بالاهتمام. لقد نسوا لغتهم هم، وعندما يريد الشاب مغازلة صديقته يقول لها أحبك بالعربيه حتى إنه مقابل كل من يستطيع كتابة خطاب باللاتينية لصديق، يوجد ألف يستطيعون التعبير عن أنفسهم بلغة عربية أنيقة.

لا يمكننا اليوم إلا أن نقول أننا حِملٌ ثقيل على مجد وحضارة أجدادنا الذين بنوا لنهدم كل ما بنوه اليوم، أتخيل نظرات الأجداد لنا اليوم ونحن نتغنى بعظمتهم دائماً ونحتمي داخل أحصنتهم المتينة ونتجاهل واقعنا!

وأما عن القوة والعزه فهيهات هيهات، سلاحنا ليس منَّا.. ولكنه إلينا! ونحن أمة المليار والنصف يقتل بعضنا البعض..يقتل الجسد المرصوص نفسه! فأظلمت علينا الدنيا وتملكنا الضعف والهوان.وغدونا اليوم نتَرجى الغرب الرضا والقبول، وإذا أبرموا أمرًا أيدناه وتجربة العراق أمامنا، نهبتها الدول تحت دعوى زائفة وشردت أهلها وخرجت وكأن شيئًا لم يكن.
لم نكن خير أمة أخرجت للناس (أو لا نكون الآن) ولكننا كُنَّا ! وماذا تفيد كُنَّا؟! لو يعلم الماضي أننا نتخذه ملاذًا للهروب من الحاضر لتبرأ منَّا!

نجول ونبحث في الأفق عن شمس العودة لذاتنا وعزتنا القديمة التي تسترد لنا حضارتنا التي سُلبت منَّا ظُلمًا وعدوانًا، لكننا لا يجب أن نتوقف يومًا عن البحث  بتفاؤل وأمل لا أن نتوقف ونأخذ الوضع على محمل الروتين اليومي الذي نستيقظ وننام عليه، لأن هذا ليس وضعًا طبيعيًا!

وأقول للقائمين قتلًا وتشريدًا، كفاكم قتل زهور الوطن الأقصى وهوية أمتنا يحتاجوننا، هدم الكعبة أهون عند الله من قتل امرئٍ مسلم.

لم أكتب هذا المقال للحسرة والندم، بل للتعلم أنا وأنتم من أخطاء اليوم لاستقبال غدٍ أفضل وما ذلك على الله ببعيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد