سِنِين كَسِنِي يُوسُفَ

حين كانت مصرُ خاضعةً تحت الاحتلال الإنجليزي، ويحكمها ملكٌ فاسد كان مستوى التعليم في مصر مرتفعًا، وكانت القاهرة منارة العلم، رائدةً وقائدةً. وكانت الجامعات المصرية تناطح أعرق الجامعات في العالم، فلما جاء العصر الأمريكي، وورثتْ أمريكا تركة بريطانيا الاستعمارية، وضعتْ رجالَها في سـدة الحكم، جاؤوا بعبد الناصر، وكان على علاته وطغيانه ملءَ السمع والبصر، الطويل العريض، صاحب الصوت الجهوري، والعيون النافذة، والنظرة الثاقبة، فما كانتِ الجماهيرُ لتقتنع بأقل من هذا، وهي ترى قامات كبيرة أمثال مصطفى النحاس ومحمد محمود باشا وعزيز علي المصري وعلي ماهر، كان لابد أن يكون عبد الناصر بهذه المواصفات ما دام سيناطح هؤلاء وينافسهم، فلما دار الزمن، وانتكست الفِطر، وفسدتِ الأذواق، وتقاصرت الهمم، وجاء عصر المسوخ المشوهة قاد الانقلاباتِ العسكرية الأقزامُ والغلمانُ، وجلسوا في سـدةِ الحُكم.

وحين يتصدر الدعوة أصحاب القامات الكبيرة والهمم العالية والمكانة البارزة لابد وأن يكون البديل المقترح للغرب الصليبي على ذات النسق؛ ليَصلح أن يُقالَ له: بديلٌ.

وفي بلدٍ يعيشُ فيه أمثال المستشار عبد الرزاق السنهوري، والمستشار عبد القادر عودة، وسـيد قطب، والعلامة محمد أبو زهرة والشيخ علي الخفيف وفقيه الدعوة السيد سابق ما كان يصلح لمنافستهم على حب الجماهير وقيادتها إلا أمثال أم كلثوم وعبد الوهاب وحافظ ونجاة وأمثالهم.

كانت مصرُ كبيرةً في كلّ شيء، في خيرها وشـرها، كانت أم كلثوم إلهًا يُعبدُ من دون الله أو تكاد، وكانوا ينادونها بالسيدة، وسيدة الغناء العربي؛ لإضفاء المهابة والوقار، وكان نظيرُها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب يلبس نفسَ المُسُوح، ويرتدي عين الإزار، ويُلقبونه بالأسـتاذ، وجاءتِ السيدة، وحضر الأستاذ، والجماهير تَتْبع وتُتابع.

وكذلك كان حافظ ونجاة وغيرهم، لكلٍ منهم أتباعٌ وعبادٌ ومريدون. فلما دار الزمن، وانتكست الفِطر، وفسدتِ الأذواق، وجاء عصر المسوخ المشوهة رأينا الكائنات والحشرات والزواحف والطحالب التي تتصدر المشهد والقنوات، وتحتل الساحة الإعلامية والفنية.

كان قضاة مصر في الخمسينات والستينات أمراءَ البيان وفحول اللغة، إذا صاغوا حيثيات حُكمٍ رأيتَ قطعةً فنية، ونصًا لغويًا يصلح أن يُدرس في أعرق الجامعات كدليل على فصاحة العرب وجمال العربية، فلما جاء عصر المسوخ المشوه خرج علينا قضاة لا يحسنون القراءة، يتعثرون فيها كما يتعثر الطالب البليد في المرحلة الابتدائية.

أين يذهب علي عبد العال رئيس مجلس الشعب الحالي بجوار العملاق القانوني رفعت المحجوب، أو الفقيه الدستوري صوفي أبو طالب ومن قبلهما علي زكي العرابي ومحمد بهي الدين بركات؟ وإذا كان الزمان زمان حُمقٍ فإن العقلَ حرمانٌ وشـوم.

في عهود العسكر تم تقزيم كلِّ شيء، وتخريب كلّ شيء، كانت عهودهم أشدّ وطأة، وأكثر تدميرًا من عهود الاحتلال الأجنبي، وهنا يظهر الفرق بين ملكٍ فاسد ورئيسٍ خائن، بين حكومةٍ فاسدة – ولكنها على كلّ حالٍ وطنية – وبين مجموعة من الخونة والعملاء والجواسيس، بالمعنى الحرفي لكلمة خائن وعميل وجاسوس، وحين تقارن بين الجيش الإسرائيلي – كعدو خارجي – وقادة بعض الجيوش العربية، ترجح في موازين العدالة والإنصاف كفة جيش إسرائيل. فالجيش الاسرائيلي تموله اسرائيل لحماية مصالحها، وبعض الجيوش العربية نمولها من جيوبنا لحماية مصالح إسرائيل!

وإذا كان زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية في عهد المخلوع حسني مبارك قد استغرق شهرين يذهب يوميًا إلى القصر الجمهوري – بعد ثورة يناير – يفرز الأوراق والمستندات، يفرم بعضَها ويخبئ الآخر، وهذا كله تحت سمع وبصر وإدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية؛ لإخفاء جرائمهم، وسـتر عورتهم، ودفن أدلة خيانتهم وتآمرهم على مستقبل هذا الشعب وثرواته وتعليمه وصحته وأمنه واستقراره، إذا كان زكريا عزمي قد استغرق الشهرين فكم سيستغرق رئيس ديوان المماليك الجدد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد