لم يكن عبد الرحمن المكراوي المشهور بفاضح غش الطريق، بجمعة سحيم نواحي مدينة آسفي بالمغرب، ذلك الشاب البسيط، غير المنتمي، والذي لم يلج حزبًا وجمعية يومًا، يتخيل كل هذه “الجلبة” الإعلامية حوله، ولا حجم التضامن المغربي أو الدولي معه، “الفيسبوكي” خصوصًا، ولا هذا الجيش من المحامين الذي تجاوز الثمانين حسب ما أحصيناه رسميًّا.

فاضح “الزفت” الذي نال البراءة مؤخرًا، من ملف مطبوخ وصك اتهام، كان معدًا لإخراس صوته، وكانت جهات لتجعله مثالًا لكل من سولت له نفسه فضح الفساد والمفسدين، وطن عانى وما زال، بكل مدينة وقرية وحي، من ناهبي المال العام والمرتزقة الذين يجعلون من مناصب تسيير الشأن الجماعي أو البرلماني والوزاري أو الإداري طريقًا للاغتناء، والذين يراكمون الثروات، ويأكلون عرق الفقراء واليتامى، وينسجون العلاقات، ويتحكمون في أجهزة القضاء بالتدخلات خارج منطق دولة الحق والقانون المعلنة، لكي لا تتابعهم، أو يسندون الظهر إلى “السلطة” بالريع يخدمون ويأكلون مقابل الصمت!

كانت بداية عفوية بفيديو يتوجه فيه بالكلام إلى رئيس جماعة محلي، لم يتسع صدره لنقد ونقض ممارسة. شاب لم يكن يخاطب شخصًا بعينه، بل مسؤولًا، ويسائل مشروعًا مغشوشًا. كان حري به تشجعيها واستثمارها، وهو الذي تنكر ونسب كل شيء لمن سبقوه في التدبير والتسيير. فتابع الشاب، ليحصل ما لم يكن في حسبانه يومًا، ولتجري بسمعته “المفلسة” الركبان، وليتحول الشاب إلى بطل وطني، قاد معركة لم تخطر على بال، ولم تنسج على منوال.

وبعد كل هذا، لم تحرك المتابعة مع الجناة الحقيقيين، ولم يستدع المقاول صاحب الطريق، وقضى عبد الرحمن أيامًا في السجن ظلمًا وعدوانًا في خرق سافر للقانون وانتهاك للحريات.

ثم ظهر صاحب روض الأطفال محمد الشملالي، فاضح فساد “قائد” بالوالدية، والذي تزعم الكثير من الوقفات، وكان يمارس نشاطه الحقوقي والنضالي بكل ما يكفله القانون، لكن العقلية البائدة، لم تنس له وقفاته وصولاته ولو بعد سنوات طِوال، فانتقمت منه في أول منعطف وتعرضت لمشروعه في تأسيس روض أطفال بسيط ببلدته الصغيرة الوالدية، رغم استيفائه لكل المساطر وإعداده للملف كله، والسبب التعليمات!

وحوكم عبد الله البقالي، الصحفي والمسؤول عن جريدة العلم الناطقة باسم حزب الاستقلال المغربي، وفُتح له ملف وحددت الجلسة، والتهمة كانت تعبيره عن رأي وعن معلومات يعرفها القاصي والداني، وبدل أن يُفتح التحقيق حول الرأي الذي أدلى به والمعروف سلفًا لكي يتم تصحيح الوضع، زُجّ به هو في متاهات المحكمة ليجلس في صفوف المتهمين بدل أن ينكب على مكتبه للقيام بعمله الإعلامي.

نوع من الضغط والتضييق للجم فمه و”تربيته” بالمفهوم المخزني في بلدٍ اسمه المغرب.

عزل القاضي الهيني، ليس لشبهة أو رشوة أو ملف، بل لأنه عبر عن ما يجري داخل مؤسسة العدل من خروقات واختلالات، وتوبع بدعوى عدم التحفظ وإفشاء الأسرار، وهل يخفى على أحد ما يجري بردهات قاعات الأحكام والأختام والمكاتب على طول الوطن وعرضه؟

مراد زعبك، الزين، أنوزلا، غلام، الحاقد، بزيز، أقلام وفنانون غردوا خارج الوجهة الرسمية للدولة، فكان مصيرهم المنع والقمع وطبخ الملفات والاتهامات والإشاعات، نماذج إن استعرضتها كاملة، لن ننتهي.

وكلها أمثلة تلخص العقلية التي يعيش على إيقاعها المسؤولون، وتحكي بالملموس الواقع. لا تتحدث عن معارك محاربة الفساد التي يتم التلويح بها في التلفاز والأرقام الخضراء الرسمية إن بلغ أحدهم، بل على العكس، إخراس بكل الوسائل لكل من فكر في الحديث عن الفساد أو تحديده والبدء في تفكيكه ومجابهته ومعارضته.

على المجتمع وكل الفاعلين، ألا ينتظروا ممن هم متورطون أو متواطئون، وإن أعلنوا نية “مراوغة” للقضاء على الفساد، أخذ المبادرة، بل يجب العمل من خارج النسق الرسمي لذلك، وتأسيس جبهة للدفاع عن فاضحي الفساد، إن لم يمتلك الناس الجرأة على محاربته، فلا أقل من إسناد كل حر وشاب وقلم وفنان وإنسان مقهور مكلوم ومظلوم، يرفع صوته بالرفض والممانعة.

فإن تشجع اليوم عبد الرحمن “العامّي” غير المسيس أو الشملالي أو أي إعلامي حر، فغدًا العشرات بل المئات منهم، مستعدون لذلك، إن وجدوا الدعم والسند والمدد والعدد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد