إن  الحياة في السكن الجامعي من أكبر المصاعب التي تجابه طالب العلم، هي غربة من نوع خاص، لا أدري إن كنت أبالغ عندما أقول إنها أقسى حتى من غربتنا خارج أوطاننا أم أنني بهذا أصفها وصفًا دقيقًا يناسب معناها الحقيقي.

يحدث أن تعيش في قفص تحت جناح والديك لما يقارب عقدين من الزمن، وبين ليلة وضحاها تجد نفسك تغرد خارج ذاك السرب بجناح مكسور في مدينة كبيرة بحجم بلد، لتصبح فجأة مسؤولا عن نفسك بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

في آخر يوم من الأسبوع تستيقظ في ساعة مبكرة وتسرع في تجهيز نفسك وحقيبتك كي تلتحق بالنقل الذي سيوصلك للمدينة التي اخترت أنت أن تكون عاصمة لأحلامك وطموحاتك، فمثلك لا يملك سيارة يركبها متى ما شاء لتوصله وقت ما يشاء، كما أنك مجبر لأن تذهب يوما قبل بداية الأسبوع الدراسي وتنام بالسكن الجامعي لكي تتمكن من الالتحاق بمحاضرتك التي تبدأ الساعة الثامنة صباحًا، وبينما أنت في طريقك للسكن الجامعي تبدأ في حديث مع نفسك، ستتحسر أولا عن عدد الليالي التي ستضيع من عمرك ولن تتمكن من قضائها مع عائلتك، ستحرم من تلك الليالي ومن دفئها، وما أحوجك للدفء في تلك الأيام فبانتظارك غرفة برودتها كالصقيع فهي لا تحتوي على مدفئة كغرفة منزلكم، فتضطر هنا لأن تكثر من ملابسك حتى لا تشعر بقساوة ذاك البرد ولكن لا حياة لمن تنادي فلا ملابس ولا غطاء يقاومون ذلك البرد، إلى أن تصلك مكالمة هاتفية من والدتك تحمل دفئًا لا يضاهيه أي دفء في العالم (دعوات ورضى وتشجيع…) تجعلك تتحدى المناخ وتقلباته وترضى بوضعك وتبعد عن تفكيرك كل ما هو محبط وتفكر فقط في اليوم الذي سترجع فيه بالشهادة.

بعد أن تصل لغرفتك بالسكن الجامعي، تبدأ بإفراغ تلك الحقيبة التي جئت بها من منزلك والتي حسب علمك هي مملوءة بملابسك وبعض الأغراض فقط لتتفاجأ بأنها حُولت إلى ثلاجة أو خزانة مطبخ، فوالدتك لا يطاوعها قلبها لأن تبعث بك إلى السكن الجامعي دون أكل فتجد مجموعة من العلب منها التي تحتوي على طبخة مجهزة ودون أي نزاع ستكون من أشهى الأطباق لديك، وأخرى تحتوي على بعض الحلوى فهي تدرك أنك سترجع مساء كل يوم من الجامعة متعبًا وعاجزًا فلا يهون عليها أن تحتسي قهوتك دون حلوى، وتتابع التقليب بتلك الحقيبة فتجد كيسًا مملوءًا بالأدوية (أقراصا للحمى وأخرى للصداع وأخرى للمعدة…) ولا محالة في أنه لو كان بإمكانها لوضعت الصيدلية بأكملها، وبعد لحظة ستجلس وسط تلك الغرفة وتترك كل الأغراض محيطة بك محلقًا بعينيك المغرورقتين بالدموع لترجع بك ذاكرتك لكل دقيقة عشتها مع أهلك فتحيا مشاعر بعضها للحب وأخرى للشوق والحنين وتبقى تردد في صمت رهيب ما الذي أتى بي إلى هنا؟

عجيب أمر تلك الغرفة التي لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار، تارة تكون غرفة نوم وتارة تتحول إلى صالون وتارة مطبخ وتارة أخرى الثلاثة معا في نفس الوقت، والمبهر هو أنها رغم ضيقها إلا أنها تأوي أكثر من شخص قد يصل عددهم أحيانا إلى ثلاثة أشخاص فتجد ذاك مستلقيًا على ظهره ليرتاح بعد يوم طويل ومتعب، والآخر جالسًا في الزاوية الأخرى من الغرفة يدرس ويحضر لامتحان الغد، والآخر يطهو وجبة العشاء له ولأصدقائه، سأتوقف هنا عند وجبة العشاء التي غالبا ما تكون وجبة عادية أو أقل أحيانا تسد بها جوعك، فأنت الآن مسؤول عن نفسك ومجبر على حسن استعمال المبلغ الذي جئت به من والدك، ستقسمه بالتساوي على مدار الأسبوع حتى أنك ستدخر القليل من ليوم الشدة.

عيشك في السكن الجامعي سيجعل منك إنسانًا آخر، ستتقمص العديد من الأدوار فغير أنك ستكون طالب علم ستصبح كذلك طباخًا وممرضًا ومدرسًا ومرشدًا اجتماعيًا… لنفسك ولمن يشاركك تلك الغرفة، والمفارقة العجيب والمؤلمة في نفس الوقت هي أنك ستجد أناسا يحسدونك على حياتك في  ذاك السكن، بل ويغبطونك عليها فهي في معتقدهم الحرية والرفاهية المطلقتان، مؤسف هو حالك وحالهم، حالك على معيشتك الصعبة التي تمر بها وحالهم على تفكيرهم الضيق الذي يحضون به فهم لا يدركون حقًّا قساوة السكن الجامعي وبأنك مع نهاية كل يوم تقضيه في تلك الغرفة الكئيبة تنكسر وتتعثر وتسقط دمعتك ألف مرة في اليوم وأنك لا تجد اليد التي تمسك بها مع كل سقوط فتضطر لأن تمسك بيدك الثانية لتنهض من جديد ماشيًا على قدميك اللتين تقودانك لعدم الاستسلام متجها نحو باب اسمه باب العودة بالنجاح، فهنيئًا لك تلك القساوة التي ستكلل بالنجاح وهنيئًا لهم ضيق فكرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد