قامت حرب البسوس بين بكرٍ وتغلب إثر قيام جساس بن مرَّة البكري بقتل كليب بن ربيعة التغلبي، والذي كان ملكًا على كلا الحيّين؛ وذلك انتقامًا لناقة خالته البسوس التي قتلها كليب حين تعدت على حِماه.

وكان ذلك في عصر الفارس المشهور، وأحد أبطال العرب وحكمائهم، وهو ذو قيمة وقدر عند كِلا الحيين، وهو الحارث بن عباد بن ضبيعة، من سادات بكر وأكابرها.

تاب إلى الله من السلب والنهب والقتل والإفساد، وبنى له صومعة يلبث فيها أغلب أوقاته، وحينما دُفِنَ كليب وعزم أخوه المهلهل على أن يثأر له، كان للحارث بن عباد حينها تحرّك ملموس ورأي حكيم يسعى لـمنع نشوب الحرب، ويدعو لحقن الدماء، ويقترح أن يكون الثأر مقتصرًا على القاتل، وحاول جاهدًا الصُلح بين الحيين، وقدّم الغالي والنفيس في سبيل ألا تقع هذه الحرب، وفعلًا سعى لإخماد نارها قبل أن يشتعل سعيرها بين أبناء عمومته.

وبالفعل قامت تلك الحرب التي لم يعرف العرب مثلها وأعلن الحارث بن عباد حينها اعتزاله حرب بكرٍ وتغلب، وقال مقولته الشهيرة والتي لا زالت تُردد لذات المقصد: لا ناقةَ لي فيها ولا جمَل.

وبذلك اتخذ موقف الحياد في صف عدم الانحياز لأي طرفٍ على طرف آخر حسب المفهوم السياسي، ولكن الحياد هنا كان  قرارًا غير حكيم من الحارث؛ حيث إن له ارتباطات وثيقة بأطراف الصراع؛ لن تجعل له عن خوضها بدًا، ولا لاعتزالها سبيل.

وتستمر الحرب وتشتد وتيرتها بين بكرٍ وتغلب سنين عددًا، وابن عباد ثابت على موقفه من عدم خوضها واعتزالها؛ حتى طال أمدها وأزهقت رماحها الأرواح والأنفس، وأحرقت نيرانها الحرث والنسل، حينها كان للحارث ولدٌ ليس له غيره واسمه بجير، وكان ذلك الوقت شابًا يافعًا يتعلم الفروسية والمبارزة بجد ومثابرة، وقد أمتلأ قلب أبيه من حبه.

ولما رأى بجير اهتمام والده وحزنه على طول أمد القتال وسوء وقائعه ذهب ذات يوم لقصر الزير سالم بن ربيعة المَُهلهَل سيّد تغلب وأخي كليب، وحينها قد محت الحرب كل ما كان بين بكرٍ وتغلبٍ من حبٍ ووداد وقسى القتال قلوبهم؛فأصبحوا كالوحوش، فلما دخل على  سالم، وعين الأخير من الغيظ تفيض بالشرر، وعرض عليه أن يقتله بأخيه كليب، دمهُ بدمِه؛ حقنًا لدماء العرب؛ فغضب سالم غضبًا شديدًا؛ فهو لا يرى بكر أجمعين كفئًا لكليب، فكيف بغلام منهم، فأشهر سيفه، وقال له: بؤ بشسع نعل كليب، أي أنت بشسع نعله فقط، وضرب عنقه فأرداه قتيلًا، ولما بلغ ذلك أباه الحارث بن عباد؛ أدرك حينها أن حياده لم يكن ذاك القرار الصائب الذي يقيه شر الفتنة ويجنبه ويلات الحرب؛ فكانت الضربة الأولى موجعة والخسارة الأولى فادحة؛ فقد خسر أغلى ما يملك، وهو ابنه الوحيد بجير في حربٍ ليس له فيها، كما قال، ناقة ولا جمل،  ولكنه لم يدرك أنه منها وفيها وإليها، وليس له عنها مهربٌ ولا مناص، وسيشمله من تغلب القصاص، فهو من بكرٍ وتغلب منه وذلك شرٌ لا بد منه. ثم أنشد حينها أبياته المشهورة، ومنها:

قربا مربط النعامة مني                                  لقحت حربُ وائل عن حيالِ

لم أكن من جناتها يعلم الله                          وإني بحرّها اليومَ صالِ

قد تجنبت وائلاً كي يفيقوا                                   وأبت تغلب عليَّ اعتزالي

وفعلًا لقحت حرب وائل بعد حيالٍ طويل، وقاد الحارث بن عباد جموع البكريين، واستطاع بفضل شجاعته الباهرة وفروسيته النادرة، وبدافع من غيظه الشديد أن يرجّح كفة الحرب لصالح بكر، بل أن يحسمها. وهذا المشهد مشهد متكرر باختلاف من يمثل الدور!

 وها هي اليوم إحدى الدول الخليجية تقوم بدور الحارث بن عباد وبنفس السيناريوهات على أفضل تقدير وأحسن ظن، وستنالها بلا شك عاقبة ابن عباد، وتخسر أغلى ما تملك إن لم تتدارك الوضع؛ فهي ليست بمنأئً عن النيران المشتعلة  حولها والحروب الطاحنة، حتى في النزاع القائم بين أشقائها وجيرانها اتخذت موقفا رماديًا في غاية السلبية، ولا يمكن أن يوصف أبدًا بالإيجاب، وخصوصًا أن هذا النزاع ليس في محيطها الإقليمي فقط، بل إن مواجهاته تُرى رؤيا العين من معابر حدودها.

وعن أحداث ما بعد الربيع العربي فحدث ولا حرج من الميل والعوَج! حتى دول ما وراء البحار والمحيطات كان لها موقف إيجابي تجاه الأحداث الدائرة في دول الربيع، ويتضح ذلك من خلال اعترافها بالثوار  المطالبين بحقوقهم ورفضها لانتهاكات حقوق الإنسان، وأضعف الإيمان ذلك القلق الذي تبديه بين الفينة والأخرى، أما هذه الدولة الرمادية فهي لا تبدي حتى القلق! لا على من احترق ولا على من غرَق!

 ومع تزايد وتيرة الأحداث واحتدام الحرب بين خندق الربيع العربي وبين خندق الاستعمار الأجنبي، واصطف المتحاربون أخيرًا داخل خندقين اثنين لا ثالث لهما من المؤكد أن اللون الرمادي في هذه الحالة يُرى أسود، خصوصًا واللون الأبيض عن يمينه وشماله، فعلى هذه الدولة الخليجية الرمادية أن تقف مع الحق ضد الباطل أولًا، وأن تتخذ موقفًا واضحًا وصريحًا يتوافق مع مواقف أشقائها العرب ثانيًا، وهم في هذا الشأن متوافقون إلى حد كبير.

والأمر الثالث عليها أن تندد بالجرائم الوحشية التي يرتكبها الطواغيت أذناب الاستعمار الأجنبي الظالم ضد الشعوب العربية شقيقة الدين واللغة الدم، وبلا شك أن الرهان على غير الشعوب رهان خاسر؛ فالشعوب تبقى والأنظمة تزول، وأما خوض الصراعات، ففي أغلب الحالات هو أمر ليس عنه بُد، ونيران الحرب القائمة ستصلى بحرّها تلك الدولة الرمادية لا محالة، مهما حاولت الهرب والابتعاد.

لذلك من الأفضل إن كان ليس لها بد من القتال، أن تقاتل مع الحق ولأجله، وأن تختار الخندق الصحيح؛ لتصطف به كي لا تصبح يومًا في الخندق المواجه لخندق الحق، وذلك هو العار! وبكل تأكيد هو الأمر الذي لم يفعله الحارث بن عباد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد