العاقل من عقله في إرشاد ورأيه في إمداد؛ فقوله سديد وفعله حميد. العقل الرشيد يزكو بالتجارب؛ فهي مرآة العقل الصادقة، وكلما زادت تجارب الإنسان في الحياة، كان أقرب للحكمة والبصيرة من غيره، ويعتمد ذلك بالأساس على الاستفادة من تلك التجارب. ترى بذلك أن العقل هو البنك الذي يحتاج إليه الإنسان ليقترض منه أفكارًا، ويجتهد الإنسان في تطويع الأفكار التي يقترضها ليصل بها إلى الغاية التي يرجوها.

على ذلك فإن العقل يلعب الدور الرئيس في حركة الإنسان نحو أهدافه ومراميه، ويلزم الشخص أن يحدد أمرين: الأول ما مدى قدرة البنك على الإقراض؟ والثاني ما هي الصور المثلى لتطويع القروض وصولًا للوجهة المطلوبة؟ الأول يمثل الأفكار في حين أن الثاني يمثل إدارة الأفكار. انتبه لهذا التأصيل المهم، أنت تمتلك فكرةً ما وتريد من خلالها تحقيق نتيجةٍ ما، ولتحصل على النتيجة المبتغاة فإن عليك التأكد من جودة الفكرة أولاً، ثم تطويع الفكرة من خلال الإدارة الجيدة للفكرة لتصل إلى ما تصبو إليه. فلربما تجول بخاطرك بعض المقارنات بين صديقٍ عزيزٍ لك يمتلك مهارةً من المهارات الحياتية التي يحتاجها المجتمع، ثم ترى هذا الصديق لم يحقق من منظورك أنت ما يرجوه، وهنا يدور في رأسك السؤال المحوري: لماذا لم يستثمر مهارته بالشكل الأمثل؟

الإجابة عن السؤال السابق تتمثل في وجود الفكرة وإدارة الفكرة. الفكرة التي يحملها الشخص في رأسه قد تكون عادية وغير مؤثرة، ولكنه يسعى جاهدًا لتهذيب الفكرةِ وتحسينها بشكلٍ مستمر، وهذا ما يقوم به اليابانيون من خلال مصطلحهم الشهير «كايزن» الذي يرمي للتغيير للأفضل والتحسين المستمر. فالفكرة عند العمل عليها بالتعديل والتطوير تراها وقد اكتسبت ثوبًا قشيبًا، ومن النادر أن تظهر فكرةٌ ما للنور قبل أن تمر بمراحل من التعديل والتحسين؛ مما يؤكد ضرورة الإيمان بالفكرة، والمرونة في التعامل معها وصولاً للنتيجة المرغوبة.

التعديل على الفكرة والتحسين المستمر لها يتم من خلال إدارة الفكرة. وفي المثال السابق قد يكون صديقك لديه مهارة فذة، وهو صادق في مساعيه لإيصالها لجمهرة الناس، ولكنه في ذات الوقت يفتقر التوجيه الصحيح للفكرة، يعوزه إدارة الفكرة بشكل إيجابي؛ مما يؤدي إلى دورانه في الحلقة المفرغة. يجب على صديقك في هذه الحالة أن ينتهج مسلكًا مغايرًا يصل به في نهاية المطاف لما يؤمله من النجاح. إذن يجب أن تكون الفكرة جيدة، وأن يتم إدارة الفكرة بشكلٍ جيد يضمن تحقيق الهدف الذي تسعى الفكرة له.

خلل الفكرة أحد الأسباب التي توجب أن يتنكب الفرد عن طريق النجاح الذي ينتويه. خلل الفكرة له أسباب، ويمكن قياس جودة الفكرة قبل البدء في تنفيذها؛ وليتسنى لك قياس جودة الفكرة يمكنك الاستعانة بخبراء المجال الذي تنضوي فكرتك تحت لوائِه، وأن تكون فكرتك في ذات الوقت بها قدر مناسب من التميز الذي يجذب الناس إليها. وأنت بسؤال أهل التخصص تكون قد قطعت شوطًا كبيرًا في تحقيق جودة الفكرة. كانت قريش قد عقدت لوائها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أضمرت العزم على الردة، هذه فكرة؛ وقبيل تنفيذ الفكرة وإمعانًا في الحكم على جودة فكرة الردة فقد استشارت قريش سهيل بن عمرو؛ فانتفعت قريشٌ بمشورةِ سهيل بن عمرو يوم قال لهم: «يا معشر قريش! لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد».

خلل الفكرة قد ينجم عن تضخيم الفكرة، والمبالغة في مدى جدواها، ورفع سقفِ توقعات تلقُّفِ الجمهور لها، وهذا يقتضي التأني في الأمر، ولا يخلو كذلك من استشارة المقربين ممن يخلِصون النصح ولا يتملقون الشخص، فإن كان الرأي الذي وقفوك عليه لا يتماشى مع ما يدور في خلجات صدرك من هوى، فالتمس الاستشارة الصادقة من أهل التخصص والتجربة؛ وكن واثقًا من أنّ الفكرة لن تعدِم نصيرًا إن كانت جيدة، ولن ينتخي لها أحد إن كانت هزيلةً لا خير فيها. من ذلك أن رجلاً أراد إقناع أهله أنه أشعر الشعراء وحامل لواء الأدباء، وبذل أهله نكيثتهم في إثنائه عن هذا الطريق. الرجل يرى أنهم لا يريدون له الخير، ولم يتفهموا ما يمتلكه من ملكة الشعر التي تُلهِب الوجدان وتسري عن الركبان؛ فوضعه أهله أمام الحقيقة الصادقة، أرادوا له أن يختبر صدق فكرته وجودتها؛ فقالوا له: من يحكم بيننا وبينك؟ قال بشار العقيلي! يقصد بذلك بشار بن برد، فقالوا: اللهم نعم. قصد القوم بشارًا؛ فأخبروه الخبر فقال للرجل: أنشدني شعرك! فما أن انتهى الرجل مما قاله؛ فإذا ببشارٍ يقول له: أظُنُك من أهلِ بيتِ النبوة. قال الرجل: وما ذاك؟! قال بشار: ذلك أن الله قال فيه «وما علمناه الشعر وما ينبغي له»! هنا الرجل قد وقف على الحقيقة التي لا مِرْيَةَ فيها، هو لا يصلُح أن يكون شاعرًا. بنفس منطق التضخيم كانت شركة جيه. والتر تومبسون تطلق على نفسها جامعة الدعاية والإعلان، وكان الكيان الصهيوني يطلق على خط بارليف أقوى مانع ترابي في العالم.

كذلك فإن خلل الفكرة ربما يكون مداره على التعميم في تناول الفكرة، وغالبًا ما تكون هذه النقطة بارزةً في الخلافات الأسرية؛ فترى الرجل ينتقد تصرفًا ما لزوجه فيقول: هي دائمة الشكوى والتذمر، هي كثيرة الأخطاء، هي… هي… هي… ولو أنه استبعد التعميم وتناول الفكرة بهدوء لكان محصلة النقاش أجدى، والقيمة الإيجابية للنقاش أقوى، وعليه أن يتأكد أنه يضع الفكرة في نصابها الصحيح. أيضًا يكون الإنكار التام، وإلقاء اللوم على الآخرين، بالإضافة لجلد الذات من أهم الأمور التي يراعي استبعادها عند تناول الفكرة، وعند تفعيل العمليات العقلية في الفكرة لاستخراج أفضل ما يمكن منها. ابتعد قدر المستطاع عن التفسيرات الخاطئة للفكرة، والانتقاء السلبي لمدلولات الفكرة؛ فهذا من شأنه أن يعرقل مسيرة الفكرة، وأن ينحو بها منهاجًا لا نريد الإيغال فيه.

معايير الحكم على الفكرة تعد وسيلة مهمة جدًّا للمساعدة في إتمام الفكرة أو الإقلاع عنها والبحث عن فكرة بديلة، أو تطوير الفكرة الحالية لتحصيل قيمة إيجابية أكثر. كما أن فهم الواقع وإدارته يؤدي بنا للاستفادة القصوى من الواقع، وأنه قد لا تكون المشكلة في الواقع، وإنما في فهم الواقع. هنا يجدر بنا الاسترخاء عند التعامل مع الفكرة، لا سيما وإن كان المرء قد مرت عليه تجربة مؤلمة -في حياته الشخصية أو العملية أو أي جانب من جوانب حياته- وألا يسمح للمشاعر السلبية التي صاحبته الفترة الأخيرة أن تدلي بدلوها في الفكرة الحالية. من المعلوم بالضرورة أن المخ يبني على آخر تجربة، فإن سمح للمشاعر السلبية أن تتواجد في إدارته للفكرة الجديدة فإن نجاحه في فكرته الجديدة فيه نظر.

وخلاصة القول إنك تحتاج لفكرة جيدة (المحتوى) ولإدارةٍ حكيمة للفكرة الجيدة (إدارة المحتوى)؛ لتقوى على تحقيق هدفك الذي تسعى له. وعليك تمحيص الفكرة قبل البدء في تنفيذها باستخدام مجموعة من المهارات، وبالرجوع لأهل الخبرة واستشارتهم فيما تود تحقيقه. أضف إلى ذلك التعامل الإيجابي مع الفكرة لتحقق هدفك، وترفع شأنك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد