لا أريد أن أستهل الحديث عن مختلف أشكال الرداءة التي باتت تحاصرنا في مختلف مناحي الحياة، لكن لدواعي التلخيص فالكل يلحظُ انتشار الفكر المنحط، والذوق الوضيع، والتقييم غير السليم للأمور والأشياء. وفي الإعلام الدعائي تسطيح وعي الشعوب، وتكثيف معالجة الأخبارالتافهة مع الإهتمام بالقضايا والمواضيع البعيدة عن صلب الواقع المعاش والانشغال العام، وهو إعلامٌ لا يسعى سوى للجمهرة ورفع نسبة المشاهدة على حساب الأخلاق والقيم.

قبل لملمة أطراف الحديث وجوهره، ظاهرة انتشار الألفاظ البذيئة سأعرض عليكم نماذج ليست فردية، وهنا المهم أنها تحظى بجماهيرية وشعبوية كبيرة، كلنا نعرفها أو سمعنا عنها.

– سكلانص: فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية يعارض السلطة الفلسطينية يتخذ من البث المباشر عبر فيسبوك وسيلة لمهاجمة وفضح السلطة، معتمدًا على الكلام النابي والقذف بالأعراض وما إلى ذلك للاحتجاج على فساد الرئيس عباس ومن حوله.

– برنامج رامز جلال في رمضان: ملايين تتباع هذا الإسفاف والابتذال الذي تفنده أية ملاحظة بسيطة، ومع ذلك لا يهم إن كان تصنُعًا أم حقيقة، ما يهم هو الألفاظ التي ينطقها المشاركون من سبٍ وكلمات سوقية يتم قطع الصوت بعد أول حرف منها أي بعد أن نعلم ما هي، و هل قطع الصوت ووضع مقطع صوت آخر (توووووت) علاج؟ علاج أقبح من ذنب.

– قناة الحياة المصرية: شاهدت اليوم مقطعًا تحت عنوان: هذا الفيديو يبين أن السيسي أقوى رئيس في العالم. مضمون المقطع الذي يقدمه فنانون مصريون على أنهم موقوفون في مطارات إسرائيل، والمحقق يسألهم من أنتم، ثم يجيب أن رئيسي السيسي، ثم يشتم الإسرائيلي بعبارات بذئية يتم اقتطاع نصفها، ويأتي الجيش المصري لتحريرهم، بكل هذه البساطة يظهر السيسي أقوى رئيس في العالم.

– الإعلامي المصري باسم يوسف: عندما تم إقرار سعودية (تيران وصنافير) نشر عبر حسابه الشخصي سيلًا من الشتائم القذرة والفاحشة جدًا تجاه الحكومة المصرية احتجاجًا على ذلك، ولك أن تتخيل عندما يكون من يصنع أو يقود الرأي بهذا الحال فكيف سيكون التابع.

ربما غمزة ممثلة هو أكثر المشاهد جرأة فيما كان يُعرض عبر التلفزيونات المحلية خلال التسعينيات (استثني السينما المصرية)، وعن حال اليوم كلنا أعيُننا في النظارة ونشاهد ما يحدث ونعلم كيف حدث، بل تابعنا جيدا التدرج في الجرأة الى أن وصل الأمر أن تشاهد مقاطع حميمية في المسلسلات رفقة أسرتك، أي جنون هذا!

والتدرج بالتدرج يذكر فالمظاهر الخادشة للحياء تدرجنا بها، والألفاظ شأنها شأن ظاهرة التعري بالملابس والأفلام وكافة مواد الفيديو كليب العربي التي تدرجت رويدًا رويدًا إلى ما نراه اليوم، فالألفاظ السعيدة المُهذبة هي جانب من جوانب المنظومة الأخلاقية التي هي آخر ما نملك على ما يبدو، وهي في تدهور مستمر.

يذهب بعض المتابعين لمن يهاجم السلطة بالتبرير بأنه يقول الحق، نعم هو يقول وما نعانيه من السلطة أقبح من كلماته لكن هل هذا مُبرر للخروج عن الأخلاق؟ وفي نموذج رامز جلال يجدونه مكان للتسلية وما الكلمات السوقية إلا كلمات عابرة وتختفي مع شارة النهاية.

كلا هذا ليس صحيحًا لا تختفي، إنما ترسخ بداخلك وتبقى لترددها حسب المساحة الموجودة بينك وبين الأشخاص الحاضرين وكل يوم المساحة تكبر وتتسع لأشخاص أكثر وأقرب، تمامًا مثل ما كنت تخجل من لقطة في مسلسل رفقة أسرتك ثم أصبحت أمرًا عاديًا، وعليه فإن لم نكبح أنفسنا ونقاطع هذه الرداءة؛ فإننا سنتحدث مع أُسرنا بها، وكأننا نقول مرحبًا بالألفاظ البذيئة.

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتمًا وعويلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!