لو ذكرت أمام أحد من الناس اسم الخليفة العباسي هارون الرشيد، فإن أول ما سيخطر بذهنه أنه حاكم لاه عابث لا تفارق النساء مجالسه! فما هي الحقيقة وراء ذلك؟ ولماذا تم تشويه صورة هذا الخليفة؟

الحقيقة هي أن هارون الرشيد يعد من أعظم خلفاء بني الإسلام، وليس خلفاء بني العباس فحسب، وقد كان يحج عامًا ويغزو عامًا، ووصلت بغداد في عهده إلى قمة مجدها الحضاري والثقافي حتى صارت سيدة مدن العالم حضاريًا!

يقول الصفدي: كان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الله في الإسلام. يقول الذهبي: كان من أنبل الخلفاء، وأحشم الملوك، ذا حجٍ وجهاد، وغزو وشجاعة ورأي. يقول السيوطي: كان أمير الخلفاء وأجلّ ملوك الدنيا، وكان كثير الغزو والحج. وقال أيضًا: وكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام ويبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص. يقول ابن كثير: كان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوًا وحجًا بنفسه. يقول ابن العماد الحنبلي: قال ابن الفرات: كان الرشيد يتواضع لأهل العلم والدين، ويكثر من محاضرة العلماء والصالحين. ويقول ابن العماد: وكان الرشيد رحمه الله يحب الحديث وأهله، وسمع الحديث من مالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد الزهري، وأكثرُ حديثه عن آبائه، وروى عنه القاضي أبو يوسف والإمام الشافعي رضي الله عنهما. ذكر ذلك ابن الجوزى وقال أيضًا: وكان كثير البكاء من خشية الله، سريع الدمعة عند الذكر، محبا للمواعظ. يقول القرماني: وهو من أجل ملوك الأرض، له نظر فى العلم والآداب، وكان يصلي في كل يوم وليلة مائة ركعة، وكان يحب العلم ويوقر أهله، وكانت أيام الرشيد كلها خيرًا، كأن من حسنها أعراس.

وكان رحمه الله عابدًا متهجدًا، فكان يصلي في خلافته كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا لا يتركها إلا لمرض، وكان يتصدق كل يوم من صلب ماله بألف درهم، وكان إذا حجّ أحجّ معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج أحج في كل سنة ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة رحمه الله.

وكان عنده من تعظيم الشرع شيء عجيب، وكان إذا ذُكّر بالله تذكر، وإذا خُوف ازدجر، وكان معظمًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول أبو معاوية الضرير الإمام المحدث الكبير: ما ذكرت عنده – أي هارون الرشيد – حديثًا إلا قال: صلى الله وسلم على سيدي، وإذا سمع حديثًا فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى.

وقد اتسعت رقعة الخلافة الإسلامية في عصره؛ حتى بلغت مشارق الأرض ومغاربها؛ وكانت الأموال تحمل من جميع الأقاليم – بعد تكفية الجيوش – إلى بيت المال على بعد المسافة، وكان يستلقي وينظر إلى السحابة، فيقول: اذهبي إلى حيثُ شئت؛ خراجُك يأتيني يأذن الله.

وأنشأ بما يعرف ببيت الحكمة في بغداد، وزودها بأعداد كبيرة من الكتب والمؤلفات من مختلف بقاع الأرض. وكانت تضم غرفًا عديدة تمتد بينها أروقة طويلة، وخُصصت بعضها للكتب، وبعضها للمحاضرات، وبعضها الآخر للناسخين والمترجمين والمجلدين. كما تمت في عهده أول ترجمة إلى العربية لأشهر كتاب علمي عرف في التاريخ، وهو كتاب الأصول (الأركان) في الهندسة والعدد لإقليدس وتطورت العلوم خصوصًا الفيزياء الفلكية والتقنية، وابتكرت عدد من الاختراعات كالساعة المائية، كما أنشئ في عهده أول مصنع للورق ببغداد سنة 795 وصار سوق الوراقين لاحقًا الذي يضم مئات الحوانيت التي تبيع السلع الورقية الفاخرة مفخرة عاصمة العباسيين، وكان ورق بغداد يقدر تقديرًا عاليًا في المنطقة حتى أن بعض المصادر البيزنطية تسمي الورق بصحف بغداد (bagdatixon) في ربط مباشر بينه وبين مدينة بغداد.

اهتم هارون الرشيد بالإصلاحات الداخلية فبنى المساجد الكبيرة، وفي عهده استعملت القناديل لأول مرة في إضاءة الطرقات والمساجد. اعتنى الرشيد أيضًا بالزراعة وأسس نظامها، فبنت حكومته الجسور والقناطر الكبيرة وحفرت الترع والجداول الموصلة بين الأنهار، وأسس ديوانًا خاصًا للإشراف على تنفيذ تلك الأعمال الإصلاحية، ومن أعماله أيضًا تشجيع التبادل التجاري بين الولايات وحراسة طرق التجارة بين المدن.

وغدت بغداد في عهده غدت بغداد قبلة طلاب العلم من جميع البلاد، يرحلون إليها حيث كبار الفقهاء والمحدثين والقراء واللغويين، وكانت المساجد الجامعة تحتضن دروسهم وحلقاتهم العلمية التي كان كثير منها أشبه بالمدارس العليا، من حيث غزارة العلم، ودقة التخصص، وحرية الرأي والمناقشة، وثراء الجدل والحوار. كما جذبت المدينة الأطباء والمهندسين وسائر الصناع. وكان الرشيد نفسه يميل إلى أهل الأدب والفقه والعلم، حتى ذاع صيت الرشيد وطبق الآفاق ذكره، وأرسلت بلاد الهند والصين وأوروبا رسلها إلى بلاطهِ تخطب وده، وتطلب صداقته.

لماذا تم تشويه صورته؟

اما عن السبب الرئيس لتشويه صورة هارون الرشيد فهو نكبته لوزرائه البرامكة، لقد قام الخليفة هارون الرشيد بقتل البرامكة وإبادتهم بعد محاولتهم إبداء الفتنة بين الأخوين الأمين والمأمون والتدخل في أحكام الخليفة هارون الرشيد في أمور الدولة من غير حق علمًا بأن الخليفة هارون الرشيد خليفة عادل ومنصف، ولكن لم يرغبوا بهذا.

كانت للبرامكة مكانة عالية في الدولة العباسية، فقد كان يحيى بن خالد البرمكي مسؤولًا عن تربية الرشيد، أما زوجته فقد أرضعت الخليفة هارون الرشيد، وقد قام يحيى بن خالد على أمر وزارة الرشيد وقد فوضه الرشيد بكل الأمور. أما الفضل بن يحيى بن خالد فقد كان أخ الرشيد من الرضاعة ووكله على تربية ابنه الأمين بن هارون الرشيد.

وإزاء تعاظم نفوذ البرامكة، واحتدام الصراع بين الفريقين اتخذ الرشيد قراره النهائي بالقضاء علي البرامكة نظرًا لتغهلهم وتحكمهم في شئون الدولة واستبدادهم بأمور الحكم والخلافة دونه، وإظهاره بمظهر العاجز والخليفة الصوري فقط، ووجد الرشيد أنه أمام انقلاب مسلح وأن الخطوة التالية من البرامكة ستكون هي الإطاحة به وبدولته، فكان لابد من أن يتحرك وأن يسبق البرامكة ويضربهم ضربته القاضية.

ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ فان البرامكة قد تعاظم نفوذهم وأصبحوا كالسرطان المتغلغل في كل نفوذ الدولة، ولهم الكثير من الأنصار والأعوان في كل المناصب حتى أصبح نفوذهم يفوق الخليفة نفسه! أي أن الإطاحة بهم ليست بالمهمة السهلة أو البسيطة.

ولكن الرشيد لم يكن كغيره يرضى بالأمر الواقع، ولم يكن ليسكت وهو يرى دولته وخلافته تضيع أمام عينيه، لذلك كان قراره بالقضاء على البرامكة مهما كانت العواقب. وكان الرشيد داهية فاتبع مع البرامكة سياسة الكتمان، وأظهر أنه راض وقانع بما قسموه له، واستخدم عنصر المفاجأة؛ حتى يلحق بهم الضربة القاضية.

وبدأ الرشيد يعد عدته للإيقاع بالبرامكة منذ عودته من الحج عام 186، وفي ليلة السبت (أول صفر 187 هـ = 29 من يناير 803)، أرسل الرشيد وكان مقيمًا بناحية الأنبار مسرورًا الخادم ومعه حماد بن سالم في جماعة من الجند فأحاطوا بجعفر بن يحيى البرمكي زعيم البرامكة ليلًا، وأخرجه مسرور، حتى أتى به المنزل الذي فيه الرشيد فحبسه وقيده وأمر الرشيد بضرب عنقه، وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه، وحبس الفضل بن يحيى في ناحية من منازل الرشيد وحبس يحيى بن خالد في منزله وأُخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك.

ووجه من ليلته رجاء الخادم إلى الرقة في قبض أموالهم وما كان لهم من رقيقهم ومواليهم وحشمهم وولاة أمورهم وفرَّق الكتب من ليلته إلى جميع العمال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم، وأمر بالقبض علي البرامكة جميعًا، وأعلن ألا أمان لمن آواهم، وأخذ أموالهم وصادر دورهم وضياعهم. وفي ساعات قليلة انتهت أسطورة البرامكة وزالت دولتهم، وتبددت سطوة تلك الأسرة التي انتهت إليها مقاليد الحكم وأمور الخلافة لفترة طويلة من الزمان، تلك النهاية التي اصطُلح على تسميتها في التاريخ بنكبة البرامكة.

وكان لتلك النكبة أكبر الأثر في إثارة شجون القومية الفارسية، فعمدت إلى تشويه صورة الرشيد ووصفه بأبشع الصفات، وتصويره في صورة الحاكم الماجن المستهتر الذي لا همّ له، إلا شرب الخمر ومجالسة الجواري، والإغراق في مجالس اللهو والمجون؛ حتى طغت تلك الصورة الظالمة على ما عُرف عنه من شدة تقواه وحرصه على الجهاد والحج عامًا بعد عام، وأنه كان يحج ماشيًا ويصلي في كل يوم مائة ركعة، وللأسف فإن بعض المؤرخين العرب قد أخذوا تلك الروايات وسطروها في كتبهم كي يشوهوا ذلك الخليفة العظيم هارون الرشيد.

ومن الأعمال الكارثية التي ساهمت في تشويه صورة الرشيد المسلسل الكارثي (أبناء الرشيد)

هذا المسلسل هو إنتاج أردني عام 2006، وهو مسلسل كارثي مليء بالتزييف وطمس الحقائق بشكل فج حيث يصور الخليفة العظيم هارون الرشيد، شخص لاه عابث، جل اهتماماته بالعازفات والمغنين والجواري،، ولا تخلو مجالسه من الغناء وشرب الخمر.. وهذا بالطبع كذب وتدليس تاريخي، فالخليفة هارون الرشيد يعد من أقوى وأفضل وأصلح الخلفاء في العصر الإسلامي كله، وليس العصر العباسي فحسب، وكان يحج عامًا ويغزو عامًا.

الكارثة الأخرى أو الكذبة الأخرى التي تحدث فيها هذا المسلسل، هو حول علاقة العباسة أخت هارون الرشيد بجعفر بن يحيي البرمك! وملخصها: أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر بن يحيى، والعباسة أخته، إذا جلس للشراب، فأراد أن يحضرهما معًا في مجلسه ذاك، ولكن الشرع الإسلامي يحول دون جمعهما، فجعفر غريب عنها ومُحرَّم عليها، فاحتال الرشيد للأمر، بأن يزوجه منها لتحل له رؤيتها ومجالستها، فقال لجعفر: أزوجكما على ألا يكون منك شيء مما يكون للرجل إلى زوجته، فقَبِل جعفر، وعقد قرانهما، ولكن جعفر اتصل بها – فيما بعد – كزوجة له، فحملت منه طفلًا، خافت عليه من أخيها، فأبعدتْه إلى مكة، وعلم الرشيد بالأمر، فغضب على جعفر، وانقضَّ على البرامكة لهذا السبب.

وبالرجوع إلى المصادر التاريخية والتحقيقات التي قام بها بعض المؤرخين حول هذه القصة ثبت أنها قصة موضوعة ومكذوبة من أساسها. إن الرشيد لم يكن مبتذلًا في مجالسه، ماجنًا تافهه الرأي بحيث لا يصبر عن جمع أخته مع رجل محرَّم عليها، وكان شديد التمسك بقوميته العربية، فكيف يُزوِّج أخته، وهي من هي بين قومها، برجل فارسي، في حين كان الوسط من العرب يأنفون من ذلك؟! ولو أراد هو مخالفة هذه التقاليد، فكيف يزوجها على هذا الشرط السخيف؟! وكيف يتبع هذه الأساليب الخفية المريبة في تزويج أخته دون أن يكون لهذا الزواج مراسيم تليق بمكانة العروسين؟! ودون أن يعلم أحد بذلك.

وأخيرًا فإذا كان قد زوجها من جعفر، وأصبحت زوجة شرعية له، فكيف يسمح له ضميره ودينه وتقواه أن يقتل طفلاً بريئًا هو ثمرة مشروعة لزواج شرعي صنعه بيده، ثم يقتل أباه وهو زوج أخته ووزيره الحبيب إليه؟! ثم يقتل أخته الأثيرة عنده؟! ولم نعثر على خبر واحد صحيح لمجلس أُنس حضرته العباسة مع أخيها الرشيد. لقد كان الرشيد من أشد الناس غيرة على نساء أسرته فكيف يسمح لأخته بحضور مجلس أنس مع رجل غريب؟!

وأكثر من ذلك، فإن العباسة كانت متزوجة محصنة، ولكنها منكوبة منكودة الحظ في زواجها، ثم تزوجت ثانية بوالي مصر إبراهيم بن صالح الهاشمي فمات، وأيضًا قيل: تزوجت بأمير ثالث، ونظموا في ذلك الأشعار، فكيف تستطيع إذًا هذه البائسة الكئيبة، التي ما خرجت من ترمل وحزن إلا لتدخل في ترمل وحزن آخر، أن تحضر مجالس الأنس والسمر مع الرشيد وجعفر، فتمرح وتنطلق بينهما، وتتظرف وتتندر؟! كما أظهرها ذلك المسلسل!

لقد كان هارون الرشيد رحمه الله من أعظم الحكام الذين أتوا في تاريخ الإسلام، والمصادر التاريخية الموثقة تكاد تجمع على صلاح الرجل وعلى ما قام به من دور مقدر في سبيل خدمة الإسلام والحضارة الإسلامية، فقد بلغت الدولة العباسية شأوًا بعيدًا في القوة والسؤدد وكانت تعيش عصرها الذهبي، وكانت الحرمات مرعية، والثغور محصنة، وكانت الدولة مهابة الجانب، وكل ما قيل في حق هارون الرشيد افتراء عليه، وقد ظُلم الرجل وكثر أعداؤه، فعبثوا بسيرته وشوهوها أيما تشويه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي
2- تاريخ ابن خلدون، للقاضى عبد الرحمن ابن خلدون
3- أخبار الدول وآثار الأول، للقرماني
4- الانباء فى تاريخ الخلفاء، للعمراني
5- الكامل فى التاريخ، لابن الأثير
6- الوافي بالوفيات، للصفدي
7- شذرات الذهب فى أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي
8- الذهب المسبوك فى من حج من الملوك
9- تاريخ خليفة بن خياط، لابن خياط
10- سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي
11- تاريخ الخلفاء للسيوطي
12- البداية والنهاية، لابن كثير
13- تاريخ الأمم والملوك، للطبري
14- هارون الرشيد أمير الخلفاء وأجل ملوك الدنيا، لشوقى خليل.
15-تحفة النظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، ابن بطوطة.
16 - هارون الرشيد,, الخليفة المظلوم تأليف: محمد الزين وأحمد القطان.
17- (هارون الرشيد,, دراسة تاريخية اجتماعية سياسية) تأليف د, عبدالجبار الجومرد.
18 - البغداديون أخبارهم ومجالسهم - إبراهيم عبد الغني الدروبي.
19 - في التاريخ العباسي والأندلسي - أحمد مختار العبادي.
20 - هارون الرشيد, الخليفة الذي شوه تاريخه عمدا, منصور عبد الحكيم.
عرض التعليقات
تحميل المزيد