لو ذكر اسم الخليفة العباسي هارون الرشيد أمام أيٍ كان، فإنَّ أولَ ما سيتبادر إلى الأذهان أنه الحاكم العابث الذي لا تفارق الغواني والغلمان مجلسه.

ما السبب الذي منح هارون الرشيد سمعة الرجل اللاهي؟ من هو بالفعل؟ أهو الرجل الحاج الغازي أم الحاكم الماجن؟ كيف لخامس الخلفاء العباسيين الذي كان يحج عامًا ويغزو عامًا أن يكون لديه وقت يقضيه بين المعازف والجواري؟

هذا ما أسعى لإيجاد الإجابة عنه.

لم يحظ خليفة، بعد الخلفاء الراشدين، من الشهرة الواسعة مثل ما حظي هارون الرشيد، إلا أنَّ شهرته اختلطت فيها الحقيقة بالأسطورة والواقع بالخيال، حتى بات لزامًا علينا نفض الغبار عن صورته الحقيقية وإبعاد أيدي السوء التي شوهت صورته بين العامة.

لقد تولى الحكم لمدة 23 عامًا اتسعت في عهده أرض الإسلام، وعُرِفَ بالخليفة الذي يحج عامًا ويغزو عامًا. حتى أنه اتخذ عمامة مكتوب عليها «غازٍ وحاج». وقد توفي رحمه الله وهو يجاهد في بلاد فارس وعمره 45 عامًا.

حظي هارون الرشيد في صغره بأفضل أساتذة عصره، في العلم واللغة والأدب والفقه. وقد حرص والده المهدي بن جعفر المنصور، عندما اشتد عود هارون الرشيد، على زرعه بين قادة عسكريين ذوي كفاءة ليتعلم منهم أصول العسكرية. وقاد حملته العسكرية الأولى عام 165 ضد الروم وعاد منها مكللاً بالنصر. وعلى إثرها اختاره والده وليًا ثانيًا للعهد بعد أخيه موسى الهادي.

لقد عاشت الدولة العباسية في زمنه عصرها الذهبي، ففي عهده اشتعلت القناديل لإنارة الطرق للمرة الأولى، وبنيت الجسور والقناطر. وأصبحت بغداد في عصره قبلة لطلاب العلم من كل البلدان، لتواجد كبار الفقهاء والعلماء واللغويين بها. كما كان الخراج يصل إلى بيت مال المسلمين من كل مكان، وكان الرشيد ينظر إلى السحابة فيقول «اذهبي حيث شئتِ فخراجك آتيني بإذن الله». وقد بلغت أموال الخراج في عصره حسب رأي بعض المؤرخين 400 مليون درهم، بعد استيفاء جميع الأقاليم الإسلامية حاجتها. وهو أعلى ما عرفته الدولة الإسلامية.

ومن آثاره العظيمة إنشاء بيت الحكمة في بغداد، والتي زودها بالكتب من كل أصقاع الأرض. وقد خصص بعض غرفها للكتب وبعضها للمحاضرات، أما البعض الآخر للناسخين والمترجمين. وترجمت في عصره العديد من أمهات الكتب. كما ابتكرت الساعة المائية، وأنشأ أول مصنع للورق في بغداد.

لقد وصلت بغداد في عهده إلى قمة مجدها الحضاري والثقافي حتى صارت سيدة مدن العالم في وقتها. وامتدت الدولة العباسية في عصره من وسط آسيا وحتى المحيط الأطلسي.

ومما قاله فيه السيوطي: «كان كثير الغزو والحج». أما ابن كثير فقال: «كان من أحسن الناس سيرةً وأكثرهم حجًا وغزوًا». أما ابن عماد فقال: «كان الرشيد يحب الحديث وأهله». وقال القرماني: «كان له نظر في العلم والأدب وكان يصلي في اليوم والليلة 100 ركعة».

فكيف لحاكمٍ قام بقيادة دولة بهذا الاتساع، ما أنتج بالضرورة تنوعًا كبيرًا في الشعوب والبيئات والأديان، ووصلت إلى أوج عظمتها في عصره وحافظت على قوتها واستقرارها، كيف له أن يتمكن من ذلك إن كان متفرغًا للهو والسمر والنساء.

إذًا ما سبب الافتراء على الخليفة هارون الرشيد؟ وما سبب اختلاق العديد من الروايات المضللة حوله؟ بحسب العديد من المؤرخين فإنَّ السبب الرئيسي هو ما عُرِف بنكبة البرامكة. والتي اختلف المؤرخون في أسبابها.

فمن هم البرامكة؟ هم من أسرة فارسية عريقة، وقد كان يحيى بن خالد البرمكي مربي ومؤدب هارون الرشيد في صغره، ثم أصبح وزيره عند توليه الخلافة لمدة 17 عامًا، كما كانت زوجة يحيى البرمكي أم هارون الرشيد بالرضاعة.

وقد كان يحيى البرمكي من أكفأ الرجال، فنهض بأعباء الدولة، وضاعف من ماليتها، واستخدمت هذه الأموال في النهوض بالدولة وإقامة المشروعات، كحفر الترع والأنهار وتعبيد الطرق، وبناء القصور والأبنية الفخمة. فاتسع العمران في بغداد وزاد عدد سكانها حتى ناهز المليون نسمة. كما أصبحت بغداد مركزًا للتجارة في الشرق.

وكان للبرمكي دورٌ كبير في قيام هذه النهضة. فما الذي دفع الرشيد إذًا إلى التنكيل بالبرامكة؟ اختلف المؤرخون في الأسباب لكن ابن خلدون لخص نكبة البرامكة على النحو التالي:

«إنما نَكَبَ البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة، واحتجابهم أموال الجباية، حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه، فغلبوه على أمره، وشاركوه في سلطانه، ولم يكن له معهم تصرف في أمور ملكه، فعظمت آثارهم، وبعد صيتهم، وعمروا مراتب الدولة وخططها، بالرؤساء من ولدهم وصنائعهم، واحتازوها عمن سواهم، من وزارة وكتابة وقيادة وحجابة وسيف وقلم. ويقال إنه كان بدار الرشيد، من ولد يحيى بن خالد، خمسة وعشرون رئيسًا، من بين صاحب سيف وصاحب قلم، زاحموا فيها أهل الدولة بالمناكب، ودفعوهم عنها بالراح، لمكان أبيهم يحيى من كفالة هارون، ولي عهدٍ، وخليفة. حتى شب حجره، ودرج من عشه، وغلب على أمره، وكان يدعوه يا أبتِ، فتوجه الإيثار من السلطان إليهم، وعظمت الدالة منهم، وانبسط الجاه من أقصى التخوم هدايا الملوك، وتحف الأمراء، وسيرت إلى خزائنهم، في سبيل التزلف والاستمالة، أموال الجباية، وأفاضوا في رجال الشيعة يريد شيعة بني العباس وعظماء القرابة، العطاء، وطوقوهم المنن، وكسبوا من بيوتات الأشراف، المعدم، وفكوا العاني، ومُدِحوا بما لم يُمدح به خليفتهم، وأسنوا لعفاتهم الجوائز والصلات، واستولوا على القرى والضياع، حتى آسفوا البطانة، وأحقدوا الخاصة، وأغضبوا أهل الولاية».

وهكذا، فبعد تعاظم نفوذ البرامكة وتغلغلهم في شؤون الدولة، ومحاولة إظهار الخليفة بمظهر الحاكم الصوري، وخشيته من أن ينقلبوا عليه، قرر الرشيد القضاء عليهم، واستباقهم بالضربة القاضية عام 186 للهجرة.

فبعد أن عاد هارون الرشيد من الحج، بدأ بالإعداد لخطته في القضاء على البرامكة. فأرسل خادمه مسرور وبعض الجند، للقبض على جعفر بن يحيى البرمكي، حيث اقتادوه إلى مقر إقامة الرشيد بناحية الأنبار. فأمر بضرب عنقه. وفي نفس الليلة أمر بحبس كلٍ من يحيى بن خالد وأبنائه ومواليه. وصادر كل ما يملكون من أموالٍ وضياع. ثم أعلن بين العامة بأنه لا أمان لمن آواهم أو والاهم. وهكذا نجح هارون الرشيد في مباغتتهم، وانتهت أسطورة البرامكة خلال ساعات بعد أن سيطرت على الدولة العباسية لسنوات طويلة. وبقي يحيى بن خالد البرمكي في محبسه حتى مات.

وكان لهذه النكبة أكبر الأثر في إثارة القومية الفارسية في الدولة العباسية، فعمدت إلى تشويه صورة الرشيد ووصفه بأبشع الصفات وترويج الشائعات حوله، وإظهاره بمظهر الخليفة الماجن. حتى طغت هذه الصورة الظالمة على ما عُرف عنه من تقواه وحرصه على الدين والدولة. وللأسف فقد ساهمت بعض الأعمال الأدبية والفنية العربية في الترويج لهذه الصورة المزيفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد