لا بد أن نفرق ما بين مفهوم السلطة وعلاقة السلطة، وكذلك الفرق بين الشرعية والمشروعية؛ لكي نفهم حصاد 2019 في اليمن. الفكرة تقوم على أساس أن السلطة الشرعية في اليمن هي سلطة معزولة في «الأصل» منذ انقلاب 21 سبتمبر (أيلول) 2014، مرورًا بأحداث عدن والمحافظات الجنوبية في 2019. اتفاق استكهولهم في الأساس لم يكن لصالح الانقلاب بقدر ما مدد الشرعية للسلطة الشرعية، ومشروعيتها الجماهيرية الأصيلة في علاقتها مع الانقلاب، وفي المقابل فاتفاق الرياض كذلك مدد الشرعية والمشروعية الجماهيرية المفقودة للسلطة الشرعية في المحافظات الجنوبية؛ نظرا إلى أن الخلاف مع الجنوبيين حول الحدود الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والأمنية العسكرية الواردة في الدستور اليمني منذ اتفاق الوحدة 1990، بينما الخلاف مع الانقلابين بسبب أنهم لا يمتلكون سندًا دستوريًّا قانونيًّا في حكم المناطق الواقعه تحت سلطة الأمر الواقع طرفهم، ولذلك نفهم أن الخلاف حول رضا الشعب بين أوساط الانقلابين ومقارنتها مع المحافظات الجنوبية هو المحدد لاستمرارية مشروعية السلطة الشرعية. نقاط الخلاف تتمحور بأن البعض يساوي التمرد العسكري في المحافظات الجنوبية بنفس الكم والكيف للحاصل في الشمال اليمني، وهذا خطأ جسيم يهدد السلطة الشرعية ومشروعيتها.

من أبرز سمات حصاد 2019 في اليمن، أن جماعة الأخوان المسلمين في اليمن تنتهج استراتيجية إطالة الصراع وإدارة الفوضى الاجتماعية ونشرها، والاحتقان السياسي، فتارة عبر قائد محور تعز، وتارة أخرى عبر وزير النقل في حكومة الدكتور معين عبد الملك، وكلها امتداد للفوضى الخلاقة سنة 2011 التي استغلت الفساد المؤسسي المدني والعسكري لتقوم بثورة إعادة تدوير الحكم بهدف معلن، بينما بالخفاء إعادة تشكيل الفوضى الإقليمية في اليمن عبر حامل شعبي «ثورة التغيير» خاصة أنها جزء لا يتجزأ من النطام الفاسد الذي ثار الشعب علية 2011، علمًا بأن النظام هو الحاكم والمعارض. يتضح كمحصلة حصاد استراتيجي أن بعض مناطق اليمن بدأت تدار فيها الصراعات بناء على رؤية وتقديرات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، والذي يتخذ من هضبة الأناضول مقرًّا له، وتتماشى استراتيجية التنظيم  الدولي للإخوان مع المشروع الإيراني، وأذرعها في منطقتنا العربية- شرق أوسطية.

يخلص حصاد 2019  في اليمن بأنه حصاد ناجح للمشروعية الجماهيرية، مهما تباينت في أجندتها، بينما الفشل اقتصر على علاقة الشرعية بسلطتها في مؤسسات الدولة؛ نظرًا لأن الفشل ما  بين هلالين هو فشل «مبررات  السلطة الشرعية» التي ينتهجها طرف أصيل في الشرعية منذ حرب صيف 94، وهم حلفاء( 7/7 ) كون استخدام القوة الخشنة مع أبناء المحافظات الجنوبية يعطي نتائج معاكسة لنظيرتها في الشمال اليمني، وهذا ما نسميه بحصاد فقدان المشروعية الجماهيرية، وانهيار علاقة السلطة بأبناء الجنوب العربي، لتكون النتيجة الكارثية بفقدان السلطة شرعيتها، ثم شرعية الدولة اليمنية الموحدة بأي صورة، حتى لو كانت وفقًا لمخرجات الحوار الوطني الشامل من يمن اتحادي فيدرالي من ستة أقاليم.

ما زال الاحتيال على الشعب اليمني مستمرًّا

عملية المضاربة بالعملة اليمنية (طبعة جديدة) جريمة منظمة لتخريب الاقتصاد اليمني تتم اليوم برعاية البنك المركزي، علمًا بأن الهدف الخفي من عدم دفع مرتبات موظفي الدولة المدنيين والعسكريين هو تسريح أكبر عدد منهم واستبدال مواليين بهم.

الاحتيال على الشعب اليمني بدأ منذ طلب زعيم جماعة الحوثي دعم البنك المركزي اليمني بصنعاء، ولو بمبلغ خمسين ريال يمني، ونطرًا لعدم ثقة الشعب اليمني بجماعة الحوثي وزعيمها، التي لا تمتلك سندًا قانونيًّا لإدارة البلد، ولا لمشروعية جماهيرية، فلجأت لأكبر عملية نصب واحتيال في تاريخ اليمن تحت يافطة كذوبة سميت استبدال العملة الورقية (الطبعة الجديدة )بما يقابلها من عملة غير ورقية من ابتكار الحوثية، وأسمتها «الريال الإلكتروني».

توضيح صورة النصب والاحتيال تبدأ من بوابة البحث عن الريال الإلكتروني المزعوم في البقالة، والمخبز، والسوبر ماركت، والصيدليات، والمستشفيات، ومحال الخضراوات، والفاكهة، والجزارة، ومختلف المعارض، وبسطات الباعة المتجولين، والمحال التجارية في العاصمة صنعاء، ووسائل النقل والمواصلات المختلفة، ناهيك عن التسوق الإلكتروني عبر الإنترنت، وعملية البحث عنه تحتاج إلى إجابة الأسئلة التالية:-

. ما الريال الإلكتروني؟ ما هويته؟

  • أين مصرف الريال الإلكتروني؟
  • ما هي البنية التحتية لشبكة الريال الإلكتروني؟
  • ما هو الغطاء القانوني للريال الإلكتروني؟
  • ما سوق الريال الإلكتروني داخل وخارج اليمن؟

الخلاصة التي نريد تقديمها بأن الحوثية استخدمت طريقة ذكية لجعل المواطنين يودعون مدخراتهم وأموالهم من العملة الورقية (الطبعة الجديدة) في بنوكها، لكن أن تمنحهم مقابلها ريالًا إلكترونيًّا؛ أي عملة وهمية، فهذه جريمة نصب واحتيال مدروسة تهدف لتمويل الإرهاب الحوثي، وغسل الأموال التي نهبتها، بالإضافة إلى التهرب من الضرائب، والإقرارات بالذمة المالية.

ما الذي ينتظر أبناء الجنوب العربي؟

لقد تضافرت جملة من العوامل والظروف الداخلية المتنوعة، بعضها تاريخي، والبعض الآخر قانوني وسياسي واقتصادي، لتخلق ضغوطًا ومطالب كان لها أثر كبير في جعل المجلس الانتقالي الجنوبي يتجه صوب الحقائب الحكومية الاستراتيجية، من أجل بناء دولة جنوبية متماسكة ذات أهداف اقتصادية واجتماعية واضحة تحقق الرأسمال البشري، وتخلق وظائف للجنوبيين.

تتضح وتكتمل لدينا الصورة الاستراتيجية للمجلس الانتقالي الجنوبي، بأنها تهدف إلى التعزيز المؤسسي، وبناء عمليات إدارية قوية، ورسم الاستراتيجية التنموية للمجلس الانتقالي الجنوبي، التي تنبثق من تقدير الفعالية لهذا المكون السياسي الجنوبي، وكيفية السماح بالقيام بالتحسينات التي تخدم أبناء الجنوب العربي لفترة من ثلاث إلى خمس سنوات كحد أدنى، وكلها ترمي للحد من الفقر، وخلق سوق عمل، تحد من مصادر النزاع، وتؤسس أرضية استعادة دولة الجنوب العربي.

يبدو أن مسرح جريمة اغتيال الشهيد العميد الركن عدنان الحمادي هو كل اليمن، ومساراتها أخذت منحنى رأي عام وطني، فالحمادي القائد الشهيد كان على بعد خطوات من شغل منصب رئاسة قيادة محور تعز، والذهاب بتعز إلى ما هو أبعد من ذلك في معركة تحرير تعز، واستعادة الدولة اليمنية والسلطة الشرعية.
على الوجة الآخر،  فهنالك زلزال كبير رافق قضية قتلة حراسة محافظ محافظة تعز السيد/ نبيل شمسان، حيث انفرط صف وضباط محور تعز، فبقدر ما  هي قضية أمن دولة تمس رأس هرم السلطة في محافظة تعز فهي لعب بالنار، وارتباط جنائي مباشر لجريمة قتل حراسة تعز بمختلف الجرائم التي تشهدها تعز، وعلى رأسها تصفية الشهيد العميد الركن عدنان الحمادي، فمسرح الجريمة المفتوح هو الشاهد الصامت، والذي يمتد مكانه من أزقة وحواري وحدود مدينة تعز، مرورًا بالمواسط والمعافر، وليس انتهاءً بتربة ذبحان في الشمايتين ليستقر في كل شبر في الحجرية، وبذلك توسعت دائرة النطاق الشخصي والمكاني لغيلة الشهيد الحمادي، لتشمل ما هو أبعد من مسئولية تنظيم دولي كالإخوان المسلمين في اليمن، لتتكشف لدينا مسئولية فاعلين في قمة هرم قيادة القوات المسلحة الموالية للسلطة الشرعية.

لقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن خط سير الجناة كمعاينة وجوبية جوازية لم يبدأ بمختلف جرائم الاغتيالات التي كانت تشهدها مدينة تعز، بل امتد من حراسة محافظ محافظة تعز وصولًا إلى الشهيد القائد الحمادي، وبذلك تكون مدن وأرياف الحجرية هي مستودع التخلص من الجريمة كما توهم الجناة بكل غباء.

هناك العديد من الحقائق التي ترتبط بقضية اغتيال العميد الركن الحمادي، كالعنصرية الطائفية التي مورست ضد جماعة أبي العباس السلفية في تعز، وتصفية أحد الأشخاص المتمتعين بحماية دولية كالسيد «حنا لحود» التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر في تعز، والتي تعد تلكم الجريمة ضمن أحد مرفقات اتفاقية الأمم المتحدة الدولية لقمع تمويل الإرهاب، والجريمة المنظمة، بينما استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب هي كش ملك، والإطار القانوني للتعامل مع تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في اليمن.

هل الحسم العسكري هو الأمل في اليمن؟

الكل يتساءل عن الأهداف التي تسعى ميليشات الحوثي إلى استهدافها في المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، فاستراتيجيات الإجابة يمكن تناولها: ما الاستراتيجية الإيرانية في حربها على دول المنطقة؟ أو إذا سألنا: ما الأهداف التي تريد إيران استهدافها؟ السيناريوهات مفتوحة على مصراعيها، لكن الفكرة تقوم على استراتيجية التطرف التي تنتهجها إيران في عرقلة وصول البواخر العملاقة إلى موانئ الإمارات العربية المتحدة بالتوازي مع وقف صادرات المملكة العربية السعودية النفطية نهائيًّا، بينما استهداف محطات تحلية المياة مجرد تحصيل حاصل.

يبقى السؤال الاستراتيجي الكبير: ما الحل لمواجهة المخطط الإيراني الحوثي المشترك؟ إذا علمنا بأن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على تفكيك المجتمع المتلاحم والمندمج، واللعب على الخلافات والنزاعات، لذلك الحل في التركيز فقط على إسقاط العاصمة صنعاء عسكريًّا، والتركيز فقط وفقط على صنعاء هو الحل الاستراتيجي الأمثل؛ نظرًا لأن مدن ذمار وصعدة وعمران، والبقية ستتهاوى تلقائيًّا، وسينفرط عقد الحوثية مع سقوط صنعاء، كما لم يفت التأكيد على أن الشعار القومي العربي لمجابهة الحوثية هو الجمهورية أولًا، والخلافات حول الوحدوية تنحى جانبًا.

التقييم الاستراتيجي لليمن (2019- 2020)

إن الجميع يتطلع لبناء الدولة اليمنية الحديثة، وذلك بتوقيع اتفاق مشروع جسر مدينة النور (باب المندب) بتعاون وشراكة استراتيجية مع دول التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، وكذلك اتفاقية توأمة استراتيجية بخصوص المكامن النفطية المشتركة في محافظة الجوف، كبديل لملحق اتفاقية جدة 2000 بحيث تكون مماثلة لاتفاق الأشقاء في السعودية والكويت، وبذات الأهمية توقيع اتفاق قانوني بخصوص مد أنبوب النفط في محافطة المهرة.

نتطلع لدعم الأشقاء في التحالف العربي لدعم اليمن في قطاع تأهيل الموانئ،  وذلك بتنفيذ رصيف تفطي، وآخر لمناولة الحاويات العملاقة في مدينة ذوباب بمديرية المندب بمحافظة تعز، لتكون مركز الموانئ الدولي والخدمات اللوجيستية العالمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد