يقول أحدهم سوف أبني صومعة وأبتعد هناك فوق المرتفعات، ويقول آخر إنها فتنة لا يجب الاختلاط بها، وآخر يقول الكل مخطئ فلا يجب أن أقف مع طرف ضد طرف مساويًا بين الجاني والمجني عليه، وآخر «خليني في حالي»، وآخر «بلاش كلام في السياسة»، وكثير من المواقف السلبية التي يدعي أصحابها أنهم على الحياد، وهي في الحقيقة أقل ما يقال عنها إنها مواقف غير أخلاقية.

عوضًا على أننا جميعًا في سفينة واحدة وأحدهم يقوم بثقبها محاولًا إغراقها بما يشكل تهديدًا للجميع، فكيف تتخذ منه موقفًا حياديًا فإن نتركهم وما أرادوا هلكنا جميعًا وإن أخذنا على أيديهم نجونا جميعًا، ربط الأحداث بمفهوم الفتنة وأنه يجب اتخاذ موقف سلبي وحيادي منها عند بعض القطاعات لغط كبير.

الحياد في حد ذاته موقف لكن موقف سلبي متخاذل غير أخلاقي كمن يرى ارتكاب جريمة قتل أمامه ثم يتخذ موقفًا حياديًا من المجرم والضحية. فالحياد محمود في مواقف تتناول صراعًا بين شر وشر وظالم وظالم، ومذموم إذا كان بين خير وشر أو مظلوم وظالم.

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه (المحايد هو شخص لم ينصر الباطل ولكن المؤكد أنه خذل الحق). ويقول مارتن لوثر كينج (أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يبقون على الحياد أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة).

لم أسمع أو أقرأ أن هناك دعوة للحياد في آية قرآنية أو حديث شريف وإنما كلها دعوات للإنصاف والقسط وإقامة للعدل وإدانة الظلم والأخذ على يد الظالم وإجارة المظلوم وقول الحق أمام سلطان جائر.

إن ما تمر به الأمة من أزمات ومحن وظلم ونكسات وتخلف عن الركب الحضاري ليس وليد اليوم وإنما هو حصاد سنوات من الصمت والحياد تجاه ما يحدث حولنا من قبل أنظمة متعاقبة تمارس الاستبداد والقهر علينا، وتجرد الأمة من مصادر قوتها لصالح القوى الغربية وعلى رأسها إسرائيل، فهم وكلاؤهم في المنطقة ويقومون بدورهم على أكمل وجه حتى يضمنوا بقاءهم على عروشهم فمن الغرب يستمدون شرعيتهم وليس من قبل شعوبهم، والأحداث الأخيرة التي نمر بها خير دليل على ذلك.

فبدعوى الإرهاب تم محاصرة الشعب القطري وقطع العلاقات معه حكومةً وشعبًا في سابقة لم نسمع عنها في المنطقة العربية قط، خصوصًا في منطقة الخليج العربي التى يجمعها تاريخ مشترك، فمن المعلوم للجميع أن الشعوب الخليجية تنتمي إلى أصول عائلية واحدة، فتجد أبناء القبيلة الواحدة موجودين في كل دول الخليج ويجمع هذه القبائل مصاهرات وعادات وتقاليد وأعراف مشتركة منذ مئات السنين بحكم الطبيعة الجيوسياسية والثقافية للمنطقة، وعلى النقيض تمامًا تم تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني بشكل علني وفج، يصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنها استراتيجية وحميمية ومتطورة وغير مسبوقة مع دول الحصار في تاريخ إسرائيل. المراقب للإعلام في هذه الدول يجدها تتحدث ليل نهار عن قطر ومحاولة شيطنتها بشتى الطرق غير الأخلاقية ودعوة فجة غير مسبوقة للتطبيع مع الكيان الصهيوني ضاربة عرض الحائط بمفهوم المهنية الإعلامية وميثاق الشرف الإعلامي.

أي موقف حياد يمكن أن نأخذه بعد أن اتضح للجميع موقف هذه الدول من القضية الفلسطينية وإعلان القدس عاصمة إسرائيل تحت مسمى صفقة القرن، وهي في الحقيقة صفعة القرن ليس إلا، التي أعلن عنها السيسي في لقاء يجمع بينه وبين الرئيس الأمريكي مما ترتب عليها تسليم تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية بداية، وحصار قطر وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، والحديث الآن عن التخلي عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وعن وطن بديل للفلسطينيين في سيناء أو أي مكان آخر، وتصفية القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل، ضربًا بعرض الحائط بمصلحة الشعوب والمجتمعات العربية وتجذيرًا للنفوذ الإسرائيلي في المنطقة وتكريسًا للاستبداد، وتغييب كامل للشعوب العربية وتجريدها من حريتها وغلق كل نوافذ التعبير عن الرأي حتى الهامشية منها مما لا يمكنها من التعبير عن نفسها وعن تطلعاتها كشعوب ضاربة بجذورها في عمق التاريخ الإنساني تستحق أن تتبوأ مكانة تليق بها وبتاريخها.

إن وجود هذه الأنظمة على رأس السلطة خطر محدق على شعوب هذه المنطقة وعلى مستقبلها لابد من تداركه، فهم على استعداد تام لإبادة شعوبهم من أجل الحفاظ على عروشهم ومصالحهم ومن خلفهم إسرائيل فهي تعلم علم اليقين أن أي تمثيل حقيقي للشعوب العربية معناه نهايتها ونهاية وجودها إلى غير رجعة، إذًا هي معركة وجود بالنسبة لها لذلك تم وأد الربيع العربي في مهده والتآمر عليه من قبل إسرائيل وأصحاب المصالح لأنه كان هناك فرصة حقيقية في حالة نجاحه أن تمثل الشعوب العربية نفسها في السلطة وتقول كلمتها عبر انتخابات ديمقراطية حقيقية.

لكن دائمًا وأبدًا ينسى الطغاة أنه رغم محاولات فرعون لقتل كل غلمان بني إسرائيل نجا موسى عليه السلام وهزم فرعون وغرق وجعله الله آية للناس.

فأي موقف حيادي سلبي لا مُبالٍ يمكن تبنيه من الواقع الأليم ومن الأحداث المصيرية التي نمر بها بسبب أنظمة تآكلت شرعيتها حتى ماتت وتعفنت ولم يعد أحد بمقدوره احتمال رائحتها العفنة فليس هناك حل معها إلا أن تدفن ويهال عليها التراب في مقابر عنوانها مزابل التاريخ بلا رجعة.

ما نستطيع أن نستخلصه من التجارب والأحداث التي مرت بها المنطقة على مدار السنوات السابقة للخروج من عنق الزجاجة أنه علينا استئصال الورم الخبيث الذي زرع في قلب العالم العربي (إسرائيل) واستئصاله يبدأ بقطع ذيوله في المنطقة الذين أصبحوا على رأس السلطة في الكثير من العواصم العربية إن لم يكن معظمها عبر ثورات حقيقية.

يقول الحكيم البشري الثورة هي حدث سياسي، وما كان يمكن أن تتجمع قواها وأن تنتصر إلا بمشاركة عامة من القوى السياسية القائمة والفعالة وبتأييد عام من القوى الاجتماعية ذات الاعتبار.

إذًا المعركة والحراك مسؤولية القوى الاجتماعية والقوى السياسية في المجتمع، فأنا أدعو كل مؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية أن تتحمل مسؤوليتها أمام الله والتاريخ وتترفع عن خلافاتها الأيديولوجية وتنحي مصالحها الشخصية جانبًا وتبدأ في تأسيس كيان جامع يستظل به كل قوى المجتمع يستطيع أن يمثل آمال الأمة وطموحاتها.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك