بعيدًا عن المشهد السياسي ببلادنا ومخاضه، وبعيدًا عن الوليد وإعاقته؛ أكتب بحرقة مواطن، وغيرة عاشق، وحب أم، وحزن ثكلى؛ عن وطنٍ حمل تهمة الذئب، والذئب من التهمة براء، عن واقعٍ أينعت بذوره هشيمًا، كنا قد زرعناها ذات زمن ياسمينًا، وأحقًا فعلنا؟!

مع توالي الأحداث، وبعد اندلاع حرب باردة، بمواقع التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) حيث لا رقابة، ولا حصانة لاختلاط المعلومة الإخبارية بالتهكمية، ولاختلاط الوعي بالتحريض، والجلف الغوغائي، ومع الانزلاق تحت نزق كل منقولٍ؛ دوى صوت العامة منفجرًا، ومنذرًا، ومتمردًا، ومنتفضًا، آخرها انتفاضة جحافل يافعة على استمرار التوقيت الصيفي شتاءً، في مظاهرات اتسمت أغلبها بالفوضى، والتطاول قولًا وفعلًا.

إن صرخة كل وليد تعبق بنسيم تاريخ بلده، وينتشر صداها في كل جغرافيا تخصه؛ فعلى الأم أن تغذيها مع كل رشفة حليب، وأن يرسخها الأب مع كل نضحة عرق في عمله، وأن يلقنها المدرس مع كل حرف من درسه، وأن يترجمها العامل مع كل نفس إخلاصًا وغيرة.

ليخرج للعالم نموذجًا متحصنًا بثوابت ضارية في عمق التاريخ، أساسها العقيدة السمحة، وحصونها حضارة بنيت بسواعد الأجيال، وما زالت المسيرة مستمرة، هاجسها الحفاظ على الهوية، وترسيخها بشكل يضمن الانتماء، ويقيم التوازن بين ما هو محلي، وما هو كوني؛ للتصدي لضغط العولمة، وانجراف حدود الثقافات، وما يصاحبها غالبًا من آثار سلبية.

إن الأسرة المغربية منذ أن تاهت بصيرتها عن هويتها، واستوطنتها عادات وأفكار الغريب، منذ أن غزاها الإعلام المادي الفارغ؛ فقدت أركانها وأسسها في انحلال وزلل أخلاقي، وثقافي، وفكري، وروحي.

وهنا نستحضر المثال الضارب في عمق واقعنا المعيش، ألا وهو الأفلام المدبلجة، أو ما يسمى بـ(المسلسلات الصابونية) التي غزت شاشاتنا الصغيرة في الآونة الأخيرة، والتي يتعدى معدل بثها ست ساعات في اليوم، مدعين اختيار «العامية» باعتبارها لغة تدبلج بها جل المسلسلات الأجنبية، مراعاة تنوع الشرائح الاجتماعية.

ونتساءل بالموازاة عن سبب الإقدام على خطوة جريئة هكذه، حصيلتها المساعدة على نقل قيم أجنبية بسهولة أكبر، بل أكثر من ذلك تقمص أفكار فقاعات الصابون، – كما وصفت هذه المسلسلات؛ لافتقارها لقوة الطرح، وكذا لسطحيتها وتفاهتها وفراغها من أي مضمون – من طرف المتلقي كأنها موروثة.

فنجد الصغير الذي لم يتجاوز السادسة من عمره، يطلق على نفسه اسم البطل، ويتماهى مع اللقب، والمسن الذي تخطى عقده السادس، يتابع جل الحلقات بتركيز وشَغفٍ خوفًا من إضاعة مشهد ما، والمرأة العجوز وضعت السبحة لتحمل آلة التحكم عن بعد، والمراهق انزلق تحت نزق الرسائل المنقولة إليه سلبًا.

إضافة إلى أوقات البث غير البريئة، وموائد عائلية ترتب على حساب ما تجود به يد الجسد التلفزيوني الصناعي العامي المغربي.

إن حرب الدبلجة على المجتمع لا تزال رحاها تدور على شاشاتنا، وعلى مرأى ومسمع وحضور منا، والأكثر من ذلك الزحف القوي لها على ثقافتنا وعاداتنا، وما كانت إلا القطرة الأولى لسيل من سياسات العنف والحشو المادي.

ولا ضير أن ما نشهده اليوم من استهتار بالمواطنة، وتبخيس للهوية، وتنصل من المسئولية، وتضخيم لمطلب الحق على حساب أداء الواجب، ماهو إلا حصاد خريفي لبراعم تنتظر الربيع، ترثي هشيم حصادها، وخضم فكر تمردي ما بلغته جاراتنا العربية قسرًا، نحن نسير سيرًا له طوعًا؛ وبهذا الانسياق التام ما عاد المقال يعبر، فقد لبس الحق بالباطل، واشتبه العدو بالصديق، وغُطت الحقيقة بالزيف.

وما ضرني غير حال وطنٍ أبناؤه.

لأين المفر من فرط الحال؟ فما لنا غير الهروب منك إليك يا وطنُ. من أين لك بنكرانِ؟ ومن أين اجتمع لي لك كل هذا الحب، والخوف المثقل بمعاني الخيبة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد