جرى تمديد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي حتى عام 2022 مقابل 699 مليون دولار كجزء من إجمالي قدره 5 مليارات دولار. في المقابل يجب على أوكرانيا «تقييد ديونها، والحفاظ على استقلال البنك المركزي، والحد من التضخم، ومحاربة الفساد. بالإضافة إلى خفض الإنفاق الحكومي، وهذا يعني أنه يجب على البنك المركزي الالتزام بعدد من الإرشادات: إعطاء الأولوية للمدينين الأجانب، ومنع تخفيض قيمة العملة بشكل كبير، والحفاظ على أسعار الفائدة المرتفعة دون تدخل الحكومة، والحد من الفساد المستشري في الاقتصاد.

على مدى السنوات العشر الماضية جرى اتباع تدابير تقشفية شديدة من قبل مختلف الحكومات الأوكرانية. يشترط صندوق النقد الدولي الحالية زيادة ضريبية بنسبة 0.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي السنوي، وزيادة مساهمات المعاشات التقاعدية وزيادة تعريفات الطاقة. ستؤدي كل هذه الإجراءات إلى مزيد من الانخفاض في الإنفاق الاجتماعي من 20٪ من الناتج المحلي الإجمالي خلال أزمة 2014 إلى 13٪ فقط في 2022. بالإضافة إلى ذلك يطالب صندوق النقد الدولي الحكومة بالامتناع عن زيادة الأجور في القطاع العام لتعويض نسبة التضخم التي تقل قليلًا عن 10٪.

لكن قبل كل شيء يدفع صندوق النقد الدولي، بدعم من حكومة ما بعد الميدان الأخيرة، من أجل خصخصة الأراضي الزراعية. عارضت الحكومة السابقة بيع الاراضي للكيانات الأجنبية. ومع ذلك في عام 2024، ستكون الأطر القانونية مؤهلة للمعاملات التي تصل مساحتها إلى 10 آلاف هكتار، والتي ستنطبق على منطقة زراعية تبلغ مساحتها 42.7 مليون هكتار، والتي تتوافق مع مساحة ولاية كاليفورنيا أو كل إيطاليا.

حيث تعد أوكرانيا أكبر منتج لزيت عباد الشمس في العالم ورابع أكبر منتج للذرة. بالإضافة إلى فول الصويا، يعتبر عباد الشمس والذرة من أهم المحاصيل في حزام عباد الشمس الذي يمتد من مدينة خاركوف الشرقية إلى منطقة ترنوبل في الغرب. حيث تشكل ربع الأرض السوداء الخصبة في العالم المساحة الزراعية في أوكرانيا. وتعتبر المصدر الرئيس للمنتجات الزراعية كالقمح، والزيوت، والأسمدة إلى الكثير من دول العالم، التي دخل الافقر منها في ازمة غذائية وارتفاع بأسعار المواد الغذائية الاساسية التي لن تعود كما كانت عليه بالسابق.

كما تستعد الحكومة لتقليص حصتها في القطاع المصرفي. من خلال هذه الإستراتيجية، التي تم تحديثها في أغسطس (آب) 2020، تهدف الحكومة إلى خفض حصتها إلى أقل من 25٪ من صافي أصول القطاع المصرفي بحلول عام 2025.

قبل عام 2014 عندما كان فيكتور يانوكوفيتش رئيسًا لأوكرانيا كان في مرحلة التفاوض مع صندوق النقد الدولي في سياق التكامل التجاري مع الاتحاد الأوروبي. طلب صندوق النقد الدولي من أوكرانيا تنفيذ عدد من الإصلاحات: خفض الأجور، إصلاح وتقليص حجم قطاعي الصحة والتعليم، اللذين كانا من المجالات المهمة لخلق فرص العمل في أوكرانيا، وخفض الدعم على الغاز الطبيعي الذي تقدمه الدولة لجميع المواطنين؛ مما يجعل الطاقة في متناولهم.

تردد يانوكوفيتش في تنفيذ هذه الإصلاحات، التي كان من شأنها أن تدحل قطاعات واسعة من الشعب الأوكراني في أزمة اقتصادية؛ توقف عن التفاوض مع صندوق النقد الدولي وبدأ التفاوض مع روسيا بدلًا عن ذلك.

كان قطع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بمثابة الهروب ليس فقط من هيمنة رأس المال الدولي الذي يريد نظام ليبرالي جديد فرضه، ولكن أيضًا هيمنة القوى الإمبريالية الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، وبالتالي هيمنة الناتو. بعبارة أخرى كان لحلف الناتو وصندوق النقد الدولي كمنظمتين منفصلتين، أهداف وأنشطة متكاملة.

نتيجة ذلك قررت الولايات المتحدة، منزعجة من تحول يانوكوفيتش إلى روسيا بدلًا عن صندوق النقد الدولي، دعم المظاهرات، وبمشاركة الجماعات النازية في أوكرانيا، الذين كانوا في طليعة المظاهرات ضد يانوكوفيتش في الفترة التي سبقت الانقلاب. الذين جرى دمجهم فيما بعد رسميًا في الجيش الأوكراني في شكل كتيبة آزوف، وهي وحدة مشاة عسكرية يمينية متطرفة بالكامل، كانت في السابق جزءًا من الاحتياطي العسكري للحرس الوطني.

إحدى المفارقات الكبيرة حتى قبل الغزو الروسي، لم يكن لدى ألمانيا نية لإدراج أوكرانيا – غير المستقرة والفقيرة جدًا – في الاتحاد الأوروبي لأنها كانت غير مستقرة اقتصاديًا بشكل خطير ومكلفة للغاية. حتى الولايات المتحدة ابتعدت عن عضوية أوكرانيا في الناتو. من جانبها لم يكن لدى روسيا أي نية لإعادة المناطق الناطقة بالروسية إلى كييف، وبدلًا عن ذلك طالبت بالحكم الذاتي الدائم والاتفاق على عدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو أبدًا.

حيث أقرت اتفاقية مينسك 2014-2015، التي وقعتها القوى الكبرى والحكومة الأوكرانية في ذلك الوقت، بسلامة الدولة الأوكرانية، لكنها منحت أيضًا حقوق الحكم الذاتي للمقاطعات المتمردة الناطقة بالروسية. كما تضمن الاتفاق وعدًا بأن أوكرانيا لن تنضم إلى الناتو دون موافقة روسيا. رفض القوميون في كييف هذه الصفقة، وبتشجيع من الولايات المتحدة، استمروا في الضغط من أجل الانضمام إلى الناتو. نتيجة لذلك واصل الروس الاستعداد لغزو محتمل لفرض اتفاق على التقسيم النهائي للبلاد. بقيت أوكرانيا عالقة بين مصالح الإمبريالية الغربية، ورأسمالية الأوليغاريشية الروسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد